بتوقيت بكين

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سيزور الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الصين فى منتصف مايو الجارى لعقد قمة مؤجلة مع الرئيس شى جين بينج، فى ظل حديث يتردد منذ فترة حول التحول فى موازين القوى لصالح بكين والعبء الذى يثقل كاهل الإدارة الأمريكية الحالية.

تأتى الزيارة فى لحظة تحوّل عميق، صين أكثر ثقة واستقلالًا، وأمريكا، منشغلة بأزماتها، من حرب مع إيران إلى اضطراب داخلى.. المشهد الجيوسياسى الحالى مختلف جذريا عما كان عليه فى الولاية الاولى لترامب، إذ لم تعد الصين تنظر إلى واشنطن بصفتها «النموذج الملهم»، بل كحالة «تنبيه وتحذير» من عدم الاستقرار، وهذا ما يمكن توصيفه بأن الصين تحررت نفسيا من النموذج الأمريكى، فكان الصينيون فى فترة ما ينظرون إلى الولايات المتحدة بوصفها مصدر الإلهام والطموح، وانعكس ذلك فى نظرة الصينيين قديما إلى التجربة الأمريكية الغنية والموثوق فيها، لكن هذه الصورة تبدلت جذريا، الآن لم تعد أمريكا هى أمريكا الملهمة للصينيين ولم تعد الصين مبهورة بأمريكا، فأصبح لها مكانتها وطموحاتها، ومن ثم لم تعد الصين ترى فى زيارة الرئيس ترامب صكا لشرعيتها الدولية، ففى الوقت الذى يبدو فيه ترامب غارقا فى تبعات حربه على إيران وتتراجع معدلات تأييده محلياً، تبدو الصين واثقة بمسارها المستقبلى، ولعل هذا واحد من أبرز الأسباب التى تجعل الرئيس ترامب يسابق الزمن لإنهاء حربه على إيران قبيل هذه الزيارة ليقول أنه بيده ينشب الحروب وقتما يشاء وبيده ينهيها أيضا وقتما يشاء.

ذكاء الصين فى الربع قرن الأخير أنها بينما تمتلك كل أدوات القوة، لم تصرح يوما بأنها قوية، بل تقول أنها ما تزال دولة نامية، وبهذا القياس تبدو التوقعات منخفضة تجاه زيارة ترامب المرتقبة للصين، فالأخيرة لم تعد تنتظر الاعتراف الأمريكي، مثلما مضى ومثلما كان يقول الرئيس الصينى الأسبق، دنج شياو بينج: «إذا أرادت الصين أن تكون غنية وقوية، فهى تحتاج إلى أمريكا».. تغير الزمان وتغيرت المعطيات، فالصين تعلمت ما يكفى وبدأت ترسم مسارها الخاص.

هذا التحول فى النظرة الصينية لأمريكا ليس قاصرا على النخبة السياسية، بل طال أطياف الرأى العام، وانعكس ذلك فى انطباعات لصينيين عادوا من أمريكا وهم يتحدثون عن عدم رضا وتراجع وانقسام سياسى، مقابل مدن صينية نظيفة وآمنة وبنية تحتية متألقة.

السؤال هنا: هل تستفيد بكين مما تسميه الارتباك الأمريكي؟ لاسيما والأخيرة شهدت، وما تزال، موجة زيارات من قادة العالم بما يمكن أن نسميه عرضا سياسيا ودعائيا يعزز سردية صعود بكين وتراجع واشنطن، فحين يقول رئيس وزراء كندا إن الشراكة مع الصين «تهيئنا جيدًا للنظام العالمى الجديد»، فهذه بلا شك لحظة ليست بالجيدة للولايات المتحدة.

الرئيس ترامب «غرس» فى مشاكل الشرق الأوسط المعقدة وكذلك الأسواق المالية المتقلبة، فى حين نجحت بكين بدبلوماسية ناعمة فى أن تتحول إلى وجهة مفضلة لقادة العالم، بما فى ذلك حلفاء واشنطن مثل كندا وألمانيا وبريطانيا، الذين اختاروا تأمين مصالحهم بعيداً عن هيمنة واشنطن، وهم بذلك ينقلون رسالة مفادها أن لديهم خيارات أخرى وأنهم لن يقبلوا بالضغوط الأمريكية، وهو ما يمنح الصين هدية دبلوماسية ثمينة، هذه الزيارات تخدم الصين أكثر مما تخدم زوارها، فى ظل استخدام الصين للاقتصاد كأداة نفوذ، وأى اندفاع عالمى لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل -مثل صفقات تجارية- قد يؤدى إلى تبعية أعمق للصين، وهذه هى اللعبة الصينية الخطيرة التى يحذر منها ثعالب السياسة الأمريكية ومن مداها المخطط له طويلا، فالصين تفكر بصبر، فبينما يصارع ترامب مثلا من أجل البقاء عامين قادمين، يخطط تشى جين بينج لعقود مستقبلية، واضعا الصين فى مركز الطاقة المتجددة وإدارة البيانات العالمية، وهم أنفسهم ثعالب السياسة الأمريكان الذين يقلقون من خطر «الاستعراض الترامبى» كعقد «صفقة استعراضية» قد تضر بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، فإذا قدّم ترامب تنازلات كبيرة مقابل مكاسب سريعة، سيترك خلفه حقيقة مرة مفادها أن الصين لم تعد بحاجة لانتظار أمريكا، فإن ذلك سيؤكد لبكين أن واشنطن مستعدة للتكيف مع صعودها.

الشاهد فى عالم اليوم أن الصين حجزت مقعدا ثابتا فى خريطة توازنات القوة العالمية، وأصبحت لاعبا يفرض إيقاعه فى عالم بدأ يعيد ترتيب توازنه بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية، والمشكلة بالنسبة لخصوم الصين -الذين لم تعلنهم يوما خصوم- ليست فى الاتفاقيات التجارية، بل فى فرق التوقيت، فكل شىء بتوقيت بكين قطعا يختلف.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق