عبدالعزيز مخيون: جسدت «عبدالوهاب» 4 مرات والصعوبة فى استحضار روحه
أيمن عزب: حياته مليئة بالتحديات.. وأتمنى تجسيده فى عمل متكامل
فى ذكرى رحيل محمد عبدالوهاب، موسيقار الأجيال، تعود سيرته إلى الواجهة من جديد، ليس فقط باعتباره أحد أعمدة الموسيقى العربية، بل أيضًا كرمز فنى لم يُنصف دراميًا بالشكل الذى يليق بقيمته، فعلى الرغم من تأثيره الممتد عبر عقود طويلة، ظل حضوره فى الدراما المصرية مجتزأً، يظهر كضيف شرف داخل حياة الآخرين، دون أن يحظى بعمل متكامل يروى رحلته الثرية منذ البدايات وحتى القمة.
«عبدالوهاب» لم يكن مجرد ملحن أو مطرب، بل كان مشروعًا فنيًا متكاملًا، أعاد تشكيل الأغنية العربية، وفتح آفاقًا جديدة أمام الموسيقى، ما جعله عنصرًا أساسيًا فى أى عمل يتناول تاريخ الفن فى القرن العشرين. ومع ذلك، فإن الدراما المصرية، رغم ريادتها، لم تقدم حتى الآن عملاً مستقلاً يليق بسيرته، مكتفية بتناوله فى سياق السير الذاتية لفنانين آخرين، وهو ما جعل صورته الدرامية تبدو ناقصة، لا تعكس كل أبعاده الإنسانية والفنية.
ومن بين الفنانين الذين اقتربوا من هذه الشخصية المعقدة، يبرز اسم عبدالعزيز مخيون، الذى جسد شخصية موسيقار الأجيال أربع مرات فى أعمال درامية مختلفة، هى «أمير الشعراء»، و«أم كلثوم» عام 1999، و«السندريلا» عام 2006، و«أبوضحكة جنان» عام 2009. وقد كانت هذه التجارب بمثابة رحلة فنية خاصة لمخيون، حاول من خلالها أن يلامس روح «عبدالوهاب»، لا أن يكتفى بتقليده.
ويقول «مخيون» على لسانه عن هذه التجربة: إن شخصية محمد عبدالوهاب تُعد من أهم الشخصيات التى تشرفت بتجسيدها فى مسيرتى الفنية، فقد كانت تجربة ثرية وصعبة فى آنٍ واحد، لم تكن الصعوبة فى محاكاة ملامحه أو صوته فحسب، بل فى اختيار ذلك التوازن الدقيق بين الأداء الصوتي، والحضور الجسدي، والعمق النفسي. لقد كان «عبدالوهاب» حالة فنية متفردة، وكان لزامًا عليّ أن أقدم هذه الحالة بصدق وأمانة.
تعود أولى لحظات الإعجاب والدهشة لدى مخيون إلى عام 1963، حين التقى بالموسيقار الكبير للمرة الأولى أثناء مشاركته فى مسرحية «الزلزال» للدكتور مصطفى محمود، والتى أخرجها جلال الشرقاوي. كان مخيون آنذاك طالبًا متدربًا، بينما حضر «عبدالوهاب» العرض بدعوة من صديقه مصطفى محمود.
بعد انتهاء العرض، لم يتمالك «مخيون» نفسه، فاندفع وسط الحشود محاولًا الاقتراب من «عبدالوهاب»، وظل يلاحقه بنظراته حتى استقل سيارته، وقد انطبعت فى ذاكرته تفاصيل دقيقة من تلك اللحظة، حيث كان يرتدى بالطو أسود وطربوشًا أحمر، ويضع منديلًا على فمه، وهى ملامح ظل يحتفظ بها فى ذهنه، واستفاد منها لاحقًا حين جسد الشخصية على الشاشة.
لكن العلاقة الحقيقية بينهما لم تبدأ إلا بعد سنوات، حين تم اختيار مخيون لتجسيد شخصية «عبدالوهاب» فى مسلسل «أمير الشعراء». شعر حينها بأن المسئولية تفرض عليه أن يتواصل مع صاحب الشخصية، فاتصل به، إلا أن «عبدالوهاب» فوجئ بالأمر واعتذر فى البداية عن مقابلته، لعدم علمه بالمشروع.
وبعد يومين، وأثناء التحضير لمشهد يتناول حفل زفاف ابن الشاعر الكبير أحمد شوقي، وجد مخيون نفسه غارقًا فى التساؤلات: كيف كان «عبدالوهاب» يغنى فى مثل هذه المناسبات؟ هل كان يجلس أم يقف؟ وكيف كان يمسك بالعود؟ لم يجد أمامه سوى أن يعاود الاتصال به، ليأتيه الرد هذه المرة بنبرة مختلفة.
فتح هذا الاتصال باب الذكريات لدى «عبدالوهاب»، فحدد له موعدًا بعد صلاة الجمعة فى منزله بالزمالك. وهناك، استقبله بحفاوة، وقرأ السيناريو، وأبدى سعادته بالمشروع، وبدأ يرشده إلى أدق التفاصيل. نصحه بأن تكون ملابسه فى غاية الأناقة، وأن يضبط الكرافتة بعناية، وألا يبالغ فى حجم عقدتها، كما أخبره أنه كان يميل الطربوش قليلًا إلى اليسار، وصحح له بعض المعلومات المتعلقة بالأغنيات والمناسبات.
ورغم أن «عبدالوهاب» عرض عليه المساعدة، فإن مخيون، بطبعه الخجول، لم يطلب شيئًا، واعتمد على إمكانياته البسيطة، فانتقى بعض الملابس من مخازن التلفزيون، واستكمل الباقى من مقتنياته الخاصة، حتى النظارة أحضرها من منطقة العتبة.
وعن الفروق بين تجسيده للشخصية فى أكثر من عمل، أوضح «مخيون» أن الاختلاف لم يكن فى الشخصية نفسها، بل فى طريقة الكتابة والمعالجة الدرامية، مؤكدًا أنه كان حريصًا فى كل مرة على الحفاظ على نبرة صوت «عبدالوهاب»، وطريقته الهادئة والمتأنية فى الحديث.
ولم يكن مخيون وحده من جسد هذه الشخصية، فقد تناوب عدد من الفنانين على تقديمها، من بينهم أيمن عزب الذى قدمها فى مسلسل «العندليب حكاية شعب»، حيث أكد أن الدراما المصرية لا تزال رائدة، وأن تقديم سيرة شخصية بحجم «عبدالوهاب» يظل حلمًا لأى فنان، لما تحمله من عمق وتنوع.
كما ظهر «عبدالوهاب» فى أعمال أخرى، مثل فيلم «كوكب الشرق» عام 1999، حيث جسده مجدى صبحي، وفيلم «حليم» عام 2006 الذى قدمه فيه عزت أبوعوف، إضافة إلى عدد من المسلسلات التى تناولت سير نجوم كبار، فكان حضوره فيها بمثابة خيط فنى يربط بين الأجيال.
ورغم كل هذه المحاولات، يبقى السؤال قائمًا: متى يحصل موسيقار الأجيال على عمل درامى يليق باسمه؟

















0 تعليق