طرق التجارة بين الواقع والتوقعات.. ما الذي يتغير فعلاً؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في عدد من الممرات البحرية الحيوية، ومع تنامي الحديث عالميًا عن إعادة تشكيل خريطة التجارة الدولية، عادت تساؤلات ملحّة حول مستقبل ما يُعرف بـ«الممرات البحرية الإجبارية»، وما إذا كان العالم يتجه نحو مرحلة تتراجع فيها أهميتها لصالح مسارات بديلة أكثر أمانًا.

ورغم تصاعد الخطاب الذي يتحدث عن تحولات جذرية أو حتى “نهاية حقبة كاملة”، فإن الواقع يبدو أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل تداخل اعتبارات الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، التي تعيد رسم حركة التجارة العالمية بشكل تدريجي وليس عبر قفزات مفاجئة.

 انتهاء دور الممرات البحرية:

في هذا السياق، أوضح اللواء مصطفى زكريا، الخبير الاستراتيجي، أن الحديث عن انتهاء دور الممرات البحرية الإجبارية يحمل قدرًا كبيرًا من المبالغة، مشيرًا إلى أن ما يجري حاليًا هو إعادة تموضع تكتيكي فرضته المتغيرات الجيوسياسية، وليس تحولًا جذريًا يعيد تشكيل موازين التجارة العالمية بشكل كامل.

وأضاف أن إعلان شركة MSC عن إطلاق مسار لوجستي جديد يربط بين أوروبا والبحر الأحمر عبر قناة السويس، ثم نقل البضائع برًا داخل المملكة العربية السعودية وصولًا إلى الخليج، يعكس توجهًا عمليًا لتقليل المخاطر المرتبطة ببعض النقاط البحرية الحساسة، مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز، في ظل التوترات المتكررة بتلك المناطق.

وأشار إلى أن هذا النموذج، المعروف بـ«الجسر البري»، لا يُعد بديلًا كاملًا للنقل البحري، بل يمثل امتدادًا تكامليًا له؛ إذ يظل الشحن البحري الخيار الأكثر كفاءة من حيث التكلفة والقدرة الاستيعابية، بينما يوفر النقل البري مرونة إضافية تُستخدم في أوقات الأزمات أو لتسريع سلاسل الإمداد وتقليل المخاطر.

وفيما يتعلق بالحديث عن تراجع دور ميناء جبل علي، أكد زكريا أن هذه الطروحات غير واقعية، موضحًا أن الميناء يُعد مركزًا لوجستيًا متكاملًا يرتبط بشبكات توزيع عالمية وبنية تحتية متقدمة، ما يجعل من الصعب استبداله أو تهميشه في المستقبل القريب.

 دلالات استراتيجية مهمة:

ولفت إلى أن التحركات الحالية تحمل دلالات استراتيجية مهمة، أبرزها سعي المملكة العربية السعودية لتعزيز موقعها كمحور لوجستي إقليمي يربط بين البحر الأحمر والخليج، إلى جانب استمرار الأهمية الاستراتيجية لمصر، التي تظل عنصرًا محوريًا في منظومة التجارة العالمية بفضل موقعها وقناة السويس.

وأكد أن ما يشهده العالم حاليًا يعكس توجهًا نحو تنويع مسارات التجارة وتقليل الاعتماد على «نقاط الاختناق» البحرية، دون التخلي عنها بالكامل، مشيرًا إلى أن هذه الممرات لم تكتسب أهميتها مصادفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من التطور الاقتصادي والبنية التحتية العالمية.

واختتم بالتأكيد على أن العالم لا يشهد نهاية مرحلة بقدر ما يمر بعملية إعادة صياغة لقواعدها، تقوم على توزيع المخاطر وتعزيز المرونة، موضحًا أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الدول على استثمار هذه التحولات لبناء منظومات لوجستية أكثر كفاءة وتنافسية في المستقبل.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق