هل سبق لك أن تساءلت عن كيفية قضاء اللاعبين 90 دقيقة كاملة في الملعب، رغم أنهم في الغالب لا يلمسون الكرة إلا قليلاً؟ الإجابة تكمن في النشاط البدني غير المرئي الذي يحدث طوال المباراة، والذي يمثل الجزء الأكبر من جهد اللاعب، بينما تقتصر رؤيتك على تلك اللحظات التي يلمس فيها اللاعب الكرة.
لأول مرة، رصد الباحثون باستخدام التسجيل الصوتي والكاميرا كل حركة يؤديها لاعب كرة القدم الاحترافي طوال تسعين دقيقة متواصلة، وخرجوا بصورة لم يتوقعها كثير من المدربين أنفسهم.
الكيلومترات الخفية
يوضح الباحث توماس ريلي رائد البحوث العلمية في كرة القدم، وبروفيسور علوم الرياضة في المملكة المتحدة، أن عندما نشاهد مباراة كرة قدم، نركز عادة على تحركات الكرة وأهدافها لكن الواقع أن اللاعب يقطع مسافات كبيرة لا تتعلق مباشرة بالكرة، على سبيل المثال، في الدوري الأوروبي، يقطع لاعب الوسط، في المتوسط، بين 8 إلى 12 كيلومترًا في المباراة الواحدة، لا بالسير ولا بالركض فحسب، بل عبر ما يقارب ألف نشاط مختلف لا يتوقف فيها عن التغيير كل 6 ثوانٍ تقريباً.
النشاط البدني الكبير، الذي لا يظهر للمتفرج، لا يقتصر الأمر على الجري فقط، بل يشمل مئات الحركات مثل تغيير الاتجاهات، التسارع، القفز لمنافسة الخصم، وحتى العودة الدفاعية السريعة.
هذه التغييرات تشمل، تسريع الحركة، تغيير الاتجاه، القفز لمنافسة الخصم، صد اللاعب، الركض خلف خصم لا يمتلك الكرة، والعودة السريعة للمساندة، كل هذا بينما المشاهد في المدرجات أو أمام الشاشة لا يرى إلا مسار الكرة.
90 دقيقة من الداخل
إذا فككنا المباراة إلى مكوناتها الحركية، يكون التوزيع كالتالي تقريباً للاعب في الدوري الإنجليزي: جري خفيف 36%، مشي 24%، ركض متوسط 20%، سرعة قصوى 11%، تحرك للخلف 7%، ومع الكرة أقل من 2%.
هذه الأرقام تقلب صورة كاملة كنا نحملها عن اللعبة، ما نراه على الشاشة هو تلك الـ2% فقط والـ98% الباقية هي الصراع الحقيقي على المساحة والوضعية والتموضع الذي لا يلتقطه التلفزيون أبداً.
الموقع يصنع اللاعب
ليست كل المراكز سواء في هذه المعادلة، لاعبو الوسط هم الأكثر قطعاً للمسافات، لأنهم حلقة الربط بين الهجوم والدفاع.
أما المدافع المحوري فيقطع مسافات أقل لكنه يعتمد على طابع أكثر انفجارية لأن دوره لا يعتمد على القدرة الهوائية بقدر ما يعتمد على التركيز والقفزة والصدمة الجسدية.
حارس المرمى استثناء قائم بذاته، بينما يقطع اللاعبون الميدانيون 8 إلى 12 كيلومتراً، لا يتجاوز الحارس في الغالب 4 كيلومترات وأغلب وقته وقوف.
لكن حين يتدخل، تكون جهوده لاهوائية بامتياز، قفز، انتشار مفاجئ، ارتماء، كما أن لاعب الوسط الذي يمتلك أعلى مستوى من القدرة الهوائية هو الأقل تراجعاً في الشوط الثاني، لأن قدرته العالية تؤخر ظهور التعب.
الشوط الثاني.. حين يخون الجسد
تكشف الأرقام أن اللاعبين يقطعون في المتوسط 5% مسافة أكثر في الشوط الأول مقارنة بالشوط الثاني، هذا التراجع ليس ضعفاً نفسياً، بل له تفسير كيميائي محدد وهو استنزاف الجليكوجين العضلي.
الأهم من ذلك أن الدراسات وجدت أن اللاعبين الذين يدخلون المباراة وعضلاتهم "شحيحة" بالجليكوجين يقطعون مسافة أقل بنسبة 25%، وأن نسبة ركضهم بالسرعة القصوى تنخفض من 24% إلى 15% فقط، بعبارة أخرى أن الطعام الصحيح قبل المباراة ليس رفاهية تغذوية، بل محدد أساسي للأداء.
ولهذا السبب تحديداً تأتي أغلب الأهداف في الدقائق الأخيرة، الإحصاءات من الدوري الاسكتلندي أظهرت معدل تسجيل أعلى من المتوسط في الدقائق العشر الأخيرة، التعب يفتح الفراغات لكنه يفتحها بالتساوي في الفريقين، إلا أن الدفاعات تتأثر به أسرع من الهجوم.

أسلوب اللعب ليس جمالاً.. بل فسيولوجيا
هذا التعب الذي يتفاوت من لاعب لآخر يكشف حقيقة أن اختيار أسلوب اللعب ليس قراراً جمالياً فحسب، بل هو قرار فسيولوجي يحدد من يُجهَد ومتى.
قدم الباحث ريلي تحليلاً مقارناً بين اللعب المباشر الذي اشتُهر به المنتخب الأيرلندي، وأسلوب الاستحواذ الأوروبي-الجنوب أمريكي. وجاءت النتيجة مثيرة، حيث أن اللعب المباشر ورفع الوتيرة باستمرار يُقلص الفارق في الجهد بين اللاعبين، ويجعل كل مركز يعمل على مستوى هوائي مرتفع، بينما أسلوب الاستحواذ يُعطي كل مركز طابعه الفسيولوجي الخاص، ويضع على الوسط العبء الأكبر بينما يُريح المدافعين نسبياً، المدرب حين يختار نظامه التكتيكي، هو في الوقت ذاته يوزع الإجهاد على أجساد لاعبيه.
المباراة التي لم تشاهدها يوماً
حين تجلس أمام شاشتك الليلة لمتابعة مباراة، تذكر أنك لن ترى سوى 2% مما يجري فعلاً على أرض الملعب، الـ98% الباقية عبارة عن الركض خلف الخصم دون كرة، التموضع الدقيق قبل الاستلام، التراجع السريع بعد الهجوم، كلها تجري أمام عينيك دون أن تلاحظها.
بينما يراها المدرب، يقيسها العلم والكاميرا لا تلتقطها، وربما هذا هو السبب في أن أكثر الناس كلاماً عن كرة القدم هم أقلهم فهماً لها.















0 تعليق