صفوت سليم يكتب: مبنى التسول العالمي!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اختراق عالم "تيك توك" ليس أمرًا بسيطًا أو تجربة والسلام، ولا يمكن التعامل معه بسطحية، لأننا إزاء فضاء رقمي شديد التعقيد تتداخل فيه عوامل التأثير النفسي والاجتماعي مع آليات الربح السريع وصناعة المحتوى، حتى أصبح في بعض جوانبه بيئة تُنتج أنماطًا سلوكية جديدة تحتاج إلى وعي نقدي لفهمها، ويزداد هذا التعقيد مع الانتشار الواسع للتطبيق بين الشباب والمراهقين الذين باتوا يتعرضون يوميًا لمحتوى هابط غير منضبط.

شريحة كبيرة من الشباب اليوم تنظر إلى التيك توك على أنه وسيلة سريعة للثراء الفاحش، وهي الطامة الكبرى،  وجميعنا نطالع مظاهر الاستجداء العلني للهدايا تحت غطاء الترفيه والبث المباشر ليلًا ونهارًا، وهو ما يؤدي إلى تشويش مفهوم القيمة لديهم، إذ يتحول المحتوى من وسيلة للتواصل وتبادل الأفكار، ليصبح مرتبطًا بالتفاعل اللحظي وعدد المشاهدات والهدايا بدلًا من جودة الفكرة أو عمق الرسالة.

ومع هذا التحول تتشكل تصورات غير واقعية عن النجاح والثراء السريع والشهرة الفورية، مما يخلق فجوة بين العالم الافتراضي والواقع الفعلي ويؤثر على إدراك الشباب لقيمة الجهد والعرق، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه البيئة لا تكتفي بعرض المحتوى المبتزل فقط، ولكن تعيد تشكيل الوعي تدريجيًا عبر التكرار والانبهار، فيصبح الانجذاب إلى السرعة والربح السهل أكثر حضورًا من التفكير في المستقبل، أو بناء الذات على أسس صحيحة، تفرز لنا أجيلًا محترمة.

وللحكم على الأشياء يجب أن نغوص في تفاصيلها، حيث قررت منذ فترة تدشين حساب على تلك المنصة لمعرفة ما يدور هناك عن كثب، وللأسف وجدت ما لا يتحمل السكوت؛ محتوى متكرر يعتمد على الإثارة والضحك المصطنع أحيانًا، وأحيانًا أخرى على استغلال التفاعل الجماهيري لتحويل البثوث المباشرة إلى ما يشبه سوقًا مفتوحًا لطلب الدعم المالي وكأنه مبنى يسكنه عتيدو التسول، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول حدود الرقابة ومدى إدراك المستخدمين لما يقدمونه، وما إذا كان الأمر مجرد ترفيه أم تجارة خفية قائمة على استغلال المتابعة.

والحقيقة أن وجودي على تلك المنصة، كان بهدف الكشف عن ماهية المحتوى ومدى خطورته على النشء الجديد، خاصة عندما يرى الطفل أو الشاب هذه النماذج وهي تحقق أرباحًا سريعة من دون مجهود حقيقي يُذكر، فيبدأ في تكوين تصور مشوه عن النجاح قائم على الشهرة اللحظية بدلًا من البناء التدريجي للذات عبر التعليم والعمل، وهنا تكمن الخطورة التي قد تدفع البعض إلى تفضيل الطريق السهل على حساب المستقبل الحقيقي.

ومع استمرار هذا النمط، تتشكل لدى فئة من المستخدمين قناعة غير واعية بأن القيمة لم تعد في الفكرة أو المهارة، بل في عدد المشاهدات والهدايا والتفاعل اللحظي، ما يؤدي إلى إعادة تشكيل مفهوم النجاح داخل عقول الشباب، بحيث يصبح مرتبطًا بالظهور السريع لا بالاستمرارية أو الإنجاز، فتضعف الرغبة في التعلم وتقل قيمة الاجتهاد أمام بريق الشهرة السريعة.

وفي ظل غياب وعي كافٍ لدى بعض الفئات سالفة الذكر، تتحول المنصة إلى مساحة غير منضبطة لتشكيل القيم والسلوكيات، وحين تقع الفأس في الرأس سنستفيق في يوم آتٍ على حين غرة، لا يعود فيه معيار النجاح مرتبطًا بالعلم أو الأخلاق أو الإنجاز، وإنما بالقدرة على جذب الانتباه بأي وسيلة كانت، ونصبح أمام تهديد جديد يرمي إلى تشكيل أولويات جيل كامل بطريقة قد لا تخدم المجتمع على المدى البعيد، ولكن الأمر أشبه بمركبة تسير نحو الهاوية دون توقف.

شكرًا لوزارة الداخلية على تحركاتها في ملاحقة بعض صُناع المحتوى المخالفين؛ إذ لا يمكن فهم هذه الإجراءات بمعزل عن سياقها الأوسع، ولكن هي تعبير عن قلقٍ مجتمعي متصاعد إزاء ما آلت إليه بعض أنماط التعبير الرقمي، فالمسميات الحديثة، مثل "بلوجر" و"مؤثر"، لم تعد دائمًا مرادفًا للإبداع أو القيمة، وتحولت في بعض الحالات إلى ستارٍ لمحتوى سطحي قائم على الإثارة الرخيصة واستسهال جذب الانتباه بأي وسيلة، وللحقيقة هذه الملاحقات محاولة جادة لاستعادة التوازن بين حرية التعبير ومسؤوليتها، وإعادة ترسيم حدود الذوق العام الذي تعرض لتآكل تدريجي بفعل الانتشار الواسع لمحتوى غير منضبط.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق