متاعب النفقة على أبواب محاكم الأسرة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

«سناء» أم لثلاثة أطفال: حكموا لى بـ2500 جنيه لـ«3 عيال» ولم أحصل عليها بسبب «طلب تعثر»

«مِنّة»: «لم يستدل عليه» جملة تسببت فى عذابى بابنى مريض السكر.. ولا طعام ولا علاج

«مىّ»: بِعت عفش بيتى للإنفاق على تعليم ابنتى بعد تهرب أبيها من تنفيذ «النفقة»

خبراء: بطء التحريات يظلم المطلقات.. والتنفيذ «اجتهاد فردى»

الحل فى رقابة الجهات المختصة.. وإلزام الزوج بتقديم إقرار ذمة مالية موثق فى دعاوى النفقة

 

 

 

مع دقات الساعة التاسعة صباحًا، يبدأ مشهد يومى يتكرر بصمت ثقيل أمام محاكم الأسرة، لا يحمل الواقفون على البوابات حقائب عمل أو أوراق سفر، وسيدات يجلسن على المقاعد الخشبية، يراقبن شاشات عرض الجلسات كما لو كانت شريانا يضخ فيه الأمل على فترات متقطعة، فى هذا المكان، لا تُختزل القضايا فى أرقام، بل تتحول إلى قصص مفتوحة على احتمالات التأجيل هذا المشهد داخل إحدى أشهر محاكم الأسرة بالجيزة بميدان الكيت كات.

وداخل هذه الدوائر، تتكرر مفردات: نفقة، تمكين، حكم، تنفيذ، وعلى الرغم من وضوح النصوص القانونية التى تنظم حقوق المطلقة وأبنائها، فإن الواقع يكشف عن مسافة واسعة بين صدور الحكم وتحقيق أثره، فالقضية التى تبدأ بدعوى تبدو بسيطة، سرعان ما تدخل فى سلسلة من الإجراءات التى قد تمتد لأشهر فى ظل حيرة المطلقة وأطفالها فى حالة إذا أسفر الزواج عن أطفال،

ووفقاً لبعض رجال القانون، فإن مدة الفصل فى دعاوى النفقة قد يستغرق ما بين 3 و9 أشهر، فيما تتعثر نسبة من الأحكام فى مرحلة التنفيذ، ولأسباب متعددة، تبدأ من صعوبة إثبات الدخل الحقيقى، خاصة الأعمال الحرة وغيرها.

 

معاناة المطلقات

تروى «سناء. ع» موظفة 39 عاماً، وهى أم لثلاثة أطفال، إن تجربتها مع النفقة كشفت لها جانبًا لم تكن تتخيله قائلة «حين صدر الحكم، اعتقدت أن الأزمة انتهت، لكننى اكتشفت أن ما تحقق هو مجرد خطوة أولى، لأن الزوج تقدم بطلب تعثر، وتم تخفيض المبلغ إلى حد لا يكفى لتغطية الاحتياجات الأساسية، وهو مبلغ 2500 جنيه شهرياً، وللأسف أصارع المتاعب اليومية من أجل تدبير النفقات، فيما تظل مستحقات أبنائى مؤجلة، فى كل مرة أتوجه للتنفيذ، فيتم إبلاغى بضرورة الانتظار أو استيفاء أوراق جديدة».

وتتكرر هذه الصورة مع «منة. ف» ربة منزل 48 عاماً، التى اصطدمت بصعوبة إثبات دخل زوجها الحقيقى «تبيَّن لى بعد الطلاق أن دخله الفعلى لا يظهر فى المستندات الرسمية، صدر حكم بالنفقة، لكنه لم ينفذ بالكامل، قيل لى إن علىّ إثبات مصادر دخل إضافية، ما اضطرنى للدخول فى نزاع جديد، الأمر لم يعد متعلقا بحقوق مادية فقط، بل أصبح عبئا يوميا يستنزف الوقت والجهد لأن أتعاب المحاماة مرتفعة، ومتاعب الحياة كثيرة والأسعار تزيد يومياً».

وهناك حالات أخرى تكون أكثر تعقيداً، تقول «فاطمة. ش» موظفة 29 عامًا، إنها لم تتلق أى مبالغ منذ صدور الحكم قبل أشهر، وأن الزوج بعد صدور حكم النفقة عليه، استقال من الشركة التى كان يعمل ومؤمنا عليه بها ولم يستدل على عمله الجديد، ولا توجد جهة يمكن مخاطبتها لتنفيذ الحكم، وأنها تقدمت بطلبات عدة، لكن الرد كان دائمًا بعدم توافر ما يمكن الحجز عليه، فى ظل هذه الظروف، وتتحمل نفقات طفل يعانى من مرض السكرى المزمن، دون أى دعم فعلى من الطرف الآخر وبعد حصولها على حكم عليه لم يتم التنفيذ أيضاً رغم حاجتها المادية للنفقة ولولا مساعدة أهلها لها مادياً كان الوضع أسوأ بالنسبة إليها.

أما «مى. ع» موظفة 38 عاماً، فتروى مشكلتها «كلما اقتربت من تنفيذ الحكم، يقدم استشكالا جديدا أو طعنا يوقف الإجراءات، أتحمل مصروفات تعليم ابنتى بمفردى، وقد اضطررت لبيع بعض ممتلكاتى لتغطية النفقات، المشكلة لا تتعلق بغياب الحكم، بل بعدم القدرة على تنفيذه فى الوقت المناسب، لأنه يعمل بمهنة حرة ولا أستطيع إثبات دخله بالتحديد، وحصلت على حكم عليه بحبسه ولكن لم يتم تنفيذه».

وهناك أنماط أخرى من التعثر حيث توضح «داليا. خ» ربة منزل التى تركت عملها لرعاية طفلها، أنها تعتمد على حكم نفقة ولم يدخل حيز التنفيذ حتى اللحظة قائلة «حصلت على حكم نهائى منذ أكثر من 5 أشهر، لكن الإجراءات التنفيذية لا تزال معلقة فى كل مرة أتابع، أُفاجأ بطلب مستندات إضافية أو تأجيل لأسباب إجرائية، هذا الوضع دفعنى للاعتماد على دعم أسرتى، رغم أن الحكم يفترض أن يوفر حدًا أدنى من الاستقرار لى ولطفلى الذى يبلغ من العمر 7 سنوات ولا يريد والده إرسال النفقة له كنوع من العقاب ولكنه يعاقب ابنه الصغير».

وفى سياق مختلف، تشير «هناء. س»، وتعمل معلمة بإحدى المدارس الخاصة، إلى صورة أخرى من التحايل، أنه يلتزم الزوج بسداد جزء بسيط من النفقة، بما يجنبه الملاحقة القانونية، بينما يمتنع عن سداد باقى المستحقات، وعند المطالبة بتنفيذ الحكم كاملًا، يعاد فتح النقاش حول قدرته المالية، ما يؤدى إلى إطالة أمد النزاع دون حسم نهائى، وهو ما يجعل هناك مشكلة مالية للمطلقة إلى جانب زيادة المصروفات عليها بالقضايا وأتعاب المحاماة وغيرها.

هذه الشهادات تكشف أن المشكلة لا تقتصر على الجوانب التنفيذية فقط، بل تمتد إلى تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة للجميع، فالتأخر فى صرف النفقة ينعكس مباشرة على مستوى معيشة الأطفال ووالدتهم، ويخلق حالة من عدم الاستقرار داخل الأسرة، قد تترك آثارا طويلة المدى وتزيد من حالة الاحتقان والفرقة بين أطراف الأسرة.

فمع انتشار العمل غير الرسمى، وتعدد وسائل إخفاء الدخل، يصبح من الصعب الوصول إلى تقدير دقيق لقدرة الملزم بالنفقة، كما أن الإجراءات الحالية تعتمد بدرجة كبيرة على التحريات التى قد تستغرق وقتًا طويلاً.

فى المقابل، تشير «منى. أ» موظفة، إلى أن النفقة تمثل عنصرًا حاسمًا فى استقرار الحياة بعد الطلاق، وليست بديلًا عن العمل، لكنها عنصر مساعد، عندما تتأخر، تتأثر كل جوانب الحياة، من سداد الإيجار إلى شراء المستلزمات الأساسية للمنزل لها ولأولادها والمشكلة ليست فقط فى قيمة المبلغ، بل فى انتظامه.

 

محامٍ

وفى جولتنا أخبرنا حسن مرسى محامٍ بالاستئناف، أن أزمة صرف النفقة لا تعود إلى نقص التشريعات ولكن المشكلة فى تنفيذها، وتتفاقم مع بطء إجراءات التحريات، خاصة فى التى قد تستغرق شهورًا لإثبات القدرة المالية فى ظل بعض الأعمال الحرة والتى يصعب إثبات دخلها فتكون تقديرية بنسبة كبيرة لقاضى المحكمة، ما يفتح الباب أمام تعطيل التنفيذ، ونظام التنفيذ الحالى يعتمد بشكل كبير على الجهد الفردى، فى ظل غياب الربط الإلكترونى بين المحاكم والجهات المالية، من حسابات بنكية وغيرها.

مضيفاً أن القانون واضح وصريح فى إلزام الزوج بالنفقة، لكن التحدى الحقيقى يبدأ بعد صدور الحكم، وللأسف كثير من الأزواج يلجأون إلى وسائل قانونية ظاهرها مشروع، مثل ادعاء الإعسار أو تخفيض الدخل المثبت رسميًا، بينما يظل دخلهم الفعلى بعيدًا عن رقابة الجهات المختصة، ولحل تلك المشكلة هناك بعض الاقتراحات، أبرزها إلزام الزوج بتقديم إقرار ذمة مالية موثق عند نظر دعاوى النفقة، مع نقل عبء إثبات الإعسار إليه، كما يكون هناك عقوبات أكثر شدة فى حالات الامتناع عن السداد، مثل وقف بعض الخدمات الحكومية أو القيود على المعاملات التجارية، أو البنكية لحين الدفع مع سرعة التنفيذ للقرارات حتى لا يكون هناك ظلم للمطلقة والأولاد.

وللأسف على سلالم المحاكم، تتكرر هذه الحكايات يوميًا، دون أن تجد طريقها إلى عناوين الأخبار، نساء ينتظرن تنفيذ أحكام صدرت بالفعل، وأطفال يكبرون فى ظل واقع غير مستقر، ونظام قانونى يواجه تحديات تتجاوز نصوصه.

 

مجلس النواب يناقش

ومؤخراً فى ظل الشكاوى العديدة من تأخر تنفيذ أحكام النفقة، أعلن محمد الصالحى، عضو مجلس النواب، تقدمه بمشروع قانون جديد يهدف إلى تعزيز تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة فى قضايا النفقة، ووضع آليات قانونية أكثر فاعلية لضمان حصول المستحقين على حقوقهم دون تأخير، بعض المحكوم عليهم يلجأون إلى المماطلة أو التهرب من تنفيذ أحكام النفقة.

وبحسب «الصالحى» فى بيانه فإن مشروع القانون يأتى استجابة لحالة مجتمعية حقيقية يعانيها العديد من الأسر؛ حيث تصدر أحكام قضائية واجبة النفاذ بالنفقة، إلا أن بعض المحكوم عليهم يلجأون إلى المماطلة أو التهرب من التنفيذ؛ مما يؤدى إلى الإضرار بحقوق المرأة والأطفال.

وأوضح النائب أن مشروع القانون يستند إلى أحكام المادة (293) من قانون العقوبات المصرى، ويهدف إلى دعمها بآليات تنفيذ أكثر فاعلية من خلال تعليق بعض الخدمات الحكومية عن المحكوم عليهم الممتنعين عن سداد النفقة رغم قدرتهم على الدفع.

وأشار عضو مجلس النواب، إلى أن مشروع القانون ينص على تعليق عدد من الخدمات الحكومية، مثل بعض التراخيص المهنية والخدمات التموينية وخدمات المرافق، لحين سداد المديونية المستحقة لصالح المستفيدين من النفقة أو بنك ناصر الاجتماعى حسب الأحوال.

 

إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية مركزية تضم أسماء المدينين بالنفقة

وأضاف «الصالحى» أن مشروع القانون يتضمن أيضًا إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية مركزية تضم أسماء المدينين بالنفقة، وربطها إلكترونيًّا بالجهات الحكومية المختلفة؛ لضمان التطبيق الفعلى للقانون ومنع التحايل على تنفيذ الأحكام القضائية، مؤكدًا أن الهدف من هذا المشروع ليس التضييق على المواطنين، وإنما ضمان احترام أحكام القضاء وصون حقوق الفئات الأكثر احتياجًا، مشددًا على أن العدالة لا تكتمل بإصدار الأحكام فقط، بل بتنفيذها على أرض الواقع.

وفى جانب آخر أكدت أمل سلامة عضو مجلس النواب، أن المشاكل التى تسبب ضغطا على الأمهات تنبع من تهرب بعض الآباء من دفع «النفقة» ومسئوليات الطفل، وهناك آباء يتهربون من النفقة، فعندما يتهرب من النفقة ومن مسئولياته وواجباته تجاه الطفل، «انت عايز تاخده ليه عايز تاخده تبهدله، الأم غير واثقة بأنه سيؤخذ ليوضع فى بيئة آمنة، أو أنه سينفق عليه».

 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق