لم يعد الحديث عن الهوية العربية مجرد ترف فكرى أو استحضار لملامح الماضى، بل بات يُنظر إليه على أنه ركيزة أساسية للأمن القومى والاستقرار المجتمعى. ففى ظل سيولة العولمة والتحولات الرقمية المتسارعة، تواجه المجتمعات العربية تحدى «التشظى الهوياتى» الذى قد يتحول من ثراء ثقافى إلى صراعات شوفينية تهدد كيان الدولة الوطنية.
وتلعب الخوارزميات وصراعات الفضاء السيبرانى دوراً جديداً فى صياغة المفاهيم الاجتماعية فى المنطقة، وهنا تبرز الحاجة إلى «مقاربة تكاملية» تزاوج بين الرؤية الدبلوماسية والبحث العلمى الرصين. ولم تعد معركة الهوية العربية اليوم تدور فى كتب التاريخ فحسب، بل فى «منعزلات هوياتية ضيقة» تخلقها منصات التواصل الاجتماعى.
وفى هذا السياق، أشار السفير أحمد رشيد خطابى، الأمين العام المساعد ورئيس قطاع الإعلام والاتصال فى جامعة الدول العربية، إلى أن الخطر لا يكمن فى «التنوع» بحد ذاته، فهو سمة إنسانية ومصدر غنى، بل فى «غياب الإطار المؤسساتى» القادر على تدبير هذا التنوع. كما لفت الانتباه إلى التأثيرات العميقة للفضاء الرقمى ومنصات التواصل الاجتماعى التى قد تدفع بالشباب نحو نزعات انغلاقية أو «شوفينية» تهدد التماسك المجتمعى.
وفى ورشة الندوة الفكرية التى جاءت بعنوان «انعكاسات التنوع على الهوية العربية: نحو مقاربة متكاملة» بمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية فى القاهرة، شدد السفير خطابى على أن سؤال الهوية لم يعد شأناً ثقافياً محضاً، بل أضحى سؤالاً جوهرياً يرتبط بمسارات التنمية والاستقرار وبناء مستقبل الأجيال الصاعدة.
وقدمت أسماء سعد، مسئول التعاون الدولى بمركز «إيجيبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية»، ورقة بحثية بعنوان «سوسيولوجيا الهوية العربية فى ظل السيادة الرقمية»، ركزت خلالها على التحولات البنيوية التى طرأت على الشخصية العربية فى ظل التدافع بين الإعلام التقليدى وديناميكيات الفضاء السيبرانى. وطرحت الورقة فرضية مغايرة تشير إلى أن الوسائط الرقمية انتجت حالة من «الانكفاء الرقمى» نتيجة آليات «التشظى الخوارزمى» التى تحصر المستخدمين داخل فقاعات أيديولوجية ومنعزلات هوياتية ضيقة. وخلصت نتائج الورقة إلى أن الهوية العربية تشهد حالة «انبعاث رقمى جديد» يعيد إنتاج تمثيلاتها وتجسيداتها ضمن بنية تقنية مركبة.
من جانبه، استند السفير خطابى فى رؤيته لفلسفة الهوية إلى أطروحة المفكر المغربى عبدالله العروى مؤكداً أن الهوية العربية ليست نسقاً جامداً بل ديناميكية تاريخية متطورة ووعاءً حضارياً منفتحاً للتلاقح الثقافى.
وفى سياق متصل، قدمت الدكتور أمنية رشاد، باحثة وحدة الدراسات الإعلامية بالمركز، مداخلة تحليلية لدور الإعلام فى تشكيل الهوية العربية، واستعرضت سبل استثمار الإعلام الرقمى والجديد لدعم الهوية المشتركة. وتضمنت مقترحاتها إطلاق حسابات تفاعلية متخصصة لنشر محتوى تثقيفى أصيل، وتشجيع المستخدمين على تقديم محتوى يخص الهوية، بالإضافة إلى ضرورة تعزيز استخدام اللغة العربية الفصحى فى الوسائل الإعلامية الموجهة للأطفال والشباب لترسيخ الروابط الثقافية وتوحيد الخطاب الإعلامى العربى.
وباستحضار مقولة الشاعر محمود درويش التى استشهد بها السفير خطابى: «الهوية هى ما نورث لا ما نرث.. ما نخترع لا ما نتذكر». وعكست المناقشات إيماناً مشتركاً بأن الهوية هى «ابتكار دائم» يتطلب كسر الصور النمطية كلما أعاقت التطور، مع ضرورة تفعيل دور الإعلام التنموى والشبابى لمواجهة التوترات الوجودية بين الانتماء للجغرافيا المحلية والانخراط فى الفضاءات الرقمية العابرة للحدود.
وفى سياق آخر يخص الإعلام الرقمى، أكد خطابى أن المنظومة الإعلامية العربية تشهد دينامية متسارعة لمواكبة التحولات الرقمية، مشدداً على حرص الجامعة على تعزيز العمل المشترك لخدمة القضايا العربية وفق توجيهات مجلس وزراء الإعلام العرب.
وأشار إلى أن التوجه الحالى يستند إلى تحديث مبادرات استراتيجية تشمل: تطوير البرامج الإعلامية لمحاربة الإرهاب التطرف. وتفعيل الخريطة الإعلامية العربية للتنمية المستدامة 2030. وتنفيذ خطة التحرك الإعلامى فى الخارج لتعزيز الصورة الذهنية العربية.
وعلى صعيد الإصلاحات الهيكلية، أكد خطابى أهمية مبادرة تعديل ميثاق الشرف الإعلامى (مايو 2024) لتعزيز المصداقية ونبذ خطاب الكراهية، خاصة خلال الاستحقاقات الانتخابية. كما أشار إلى إدراج «التربية الإعلامية» فى المناهج التعليمية بالتعاون مع المعهد العالى للإعلام والاتصال بالرباط، لمواجهة مخاطر الإعلام الإلكترونى.
















0 تعليق