يبدو أن رياح التغيير في قلاع التكنولوجيا لا تهدأ أبداً، فبعد عواصف التسريحات الإجبارية التي ضربت القطاع العام الماضي، اختارت شركة مايكروسوفت هذه المرة مساراً يبدو في ظاهره أكثر رقة وتقديراً لسنوات الخدمة، ولكنه يحمل في جوهره ذات الهدف: تقليص النفقات وإعادة ترتيب البيت من الداخل لمواجهة متطلبات عصر الذكاء الاصطناعي.
في تقرير جديد أثار ضجة في الأوساط التقنية، كشفت المصادر عن نية مايكروسوفت إطلاق برنامج شراء عقود اختياري (Voluntary Buyout) يستهدف شريحة محددة من موظفيها داخل الولايات المتحدة. هذا البرنامج، الذي يعد الأول من نوعه بهذه الضخامة في تاريخ الشركة القريب، لا يستهدف المبتدئين أو الموظفين الجدد، بل يركز على الكوادر التي أفنت سنوات طويلة في ممرات الشركة.
القاعدة المتبعة هنا تعتمد على معادلة السبعين، حيث يشمل العرض الموظفين من رتبة مدير أول فما دون، الذين إذا جمعت سنوات عمرهم مع سنوات خدمتهم في الشركة، كان الناتج 70 أو أكثر.
تشير التقديرات إلى أن هذا العرض قد يطال ما يصل إلى 7 بالمئة من القوى العاملة في الولايات المتحدة، وبحساب بسيط، وبالنظر إلى أن عدد موظفي الشركة هناك يتجاوز 125 ألفاً، فإننا نتحدث عن رحيل محتمل لما يقرب من 8,750 موظفاً.
ورغم أن هذا الرقم يظل أقل من رقم الـ 15 ألف موظف الذين غادروا قسراً في عام 2025، إلا أنه يظل رقماً ضخماً يعكس رغبة الشركة في تقليل "الوزن الزائد" من القيادات الوسطى والخبرات القديمة.
إيمي كولمان، نائبة الرئيس التنفيذي للموارد البشرية في مايكروسوفت، حاولت تلطيف الأجواء في مذكرة داخلية، مشيرة إلى أن الهدف هو منح الموظفين المؤهلين فرصة لاتخاذ خطوتهم القادمة بشروطهم الخاصة وبدعم سخي من الشركة.
هذا الأسلوب، الذي يطلق عليه البعض الاستغناء المغلف بالحرير، يهدف إلى تجنب الصدمات النفسية والاجتماعية التي تسببها قرارات الفصل المفاجئة، ويسمح للشركة بتجديد دمائها دون خسائر في السمعة.
ولكن لماذا الآن؟ ولماذا مايكروسوفت التي تعيش أزهى عصورها المالية؟ الإجابة تكمن في الكلمتين السحريتين: الذكاء الاصطناعي.
الشركة لا تعاني من ضعف في الدخل، بل على العكس، لكنها تنفق مبالغ فلكية لبناء البنية التحتية لهذا المستقبل الجديد. في الربع الثاني من عام 2026 وحده، بلغت نفقات مايكروسوفت الرأسمالية نحو 37.5 مليار دولار، ذهب معظمها لبناء مراكز البيانات العملاقة وتطوير الخوارزميات.
إن ما يحدث في مايكروسوفت هو تجسيد لعملية إحلال كبرى؛ حيث يتم تحويل ميزانيات الرواتب والتعويضات البشرية إلى استثمارات في الخوادم والرقائق الذكية. إنها مقامرة ضخمة، فبينما تودع الشركة خبرات بشرية تراكمت على مدار عقود، فإنها تراهن بكل ثقلها على أن الذكاء الاصطناعي سيعوض هذا الفراغ ويدفع بإنتاجية الشركة نحو آفاق غير مسبوقة.
البرنامج سيبدأ رسمياً في شهر مايو المقبل، وسيكون بمثابة اختبار حقيقي لولاء الموظفين القدامى، فهل سيختارون الاستمرار في كيان يتغير جلده بسرعة مذهلة، أم سيأخذون "الشيك الذهبي" ويرحلون بحثاً عن هدوء بعيداً عن صخب الخوارزميات؟ الأيام القادمة ستكشف لنا حجم الاستجابة، ومدى قدرة مايكروسوفت على الموازنة بين التطور التقني والوفاء لإرثها البشري.

















0 تعليق