يقولون إن "الخوف غريزة.. لكن الشجاعة قرار"، وفي ذلك اليوم من يونيو 1967، لم تكن الشجاعة مجرد قرار، بل كانت وقفة عز خلدت اسم طبيب مصري بن محافظة المنيا ، في سجلات الأنبياء والشهداء والصديقين.
الفصل الأول: هدوء ما قبل الجحيم
في قلب مستشفى العريش العسكري، حيث يمتزج عبير التعقيم برائحة البارود القادم من بعيد، كان الرائد طبيب لطفي حسين ضيف الله يمارس أقدس مهنه ، ابن قرية "الشيخ فضل" إحدى القرى التابعة لمركز ومدينة بني مزار شمال محافظة المنيا، الذي حمل في ملامحه سمات الصعيد الصامد ، وقلب الفارس الذي لا يلين ، لم يكن لطفي مجرد طبيب، كان مقاتلاً يرتدي بالطو أبيض، يواجه الموت بمشرط، واليأس بالأمل.
الفصل الثاني: السماء تمطر ناراً
الساعة تقترب من العصر، وفجأة انشق صمت الصحراء عن زئير مرعب.. طائرات (A-4 Skyhawk) تغطي قرص الشمس، وصواريخها تحيل نهار العريش إلى ليل من الغبار والنيران ، زلزل دوي الإنفجارات جدران المستشفى، صرخ الجميع: "اخلوا المكان.. الموت قادم!".
هبّ التمريض، فرّ العمال، وبحث الجميع عن ساتر يحميهم من شظايا الجحيم.. إلا في تلك الغرفة الصغيرة، حيث تجمد الزمن.
الفصل الثالث: وقفة "ابن الأصول"
وسط النيران المتصاعدة، كان الدكتور لطفي واقفاً.. العرق يقطر من جبهته، وإبهامه يضغط بثبات على شريان جندي ينزف، صرخ فيه زملاؤه وهم يهرعون للخارج: "يا لطفي.. اخرج فوراً، المستشفى ستسوى بالأرض!".
هنا، التفت إليهم بلهجة صعيدية تقطر عزة وقال جملته التي كتبتها الملائكة:
"أخرج إزاي؟ واللي متخدر تحت إيدي ده يروح فين؟ والتاني اللي مستني أنقذه ذنبه إيه؟.. أقابل ربنا إزاي لو سيبتهم وجريت؟ دول مسؤوليتي قدام ربنا.. أنا هفضل هنا واللي يجرى عليهم يجرى عليا!"
الفصل الرابع: المعجزة والمهمة المستحيلة
تحت القصف، وبأعجوبة طبية قبل أن تكون عسكرية، أنهى العملية، حمل الجندي المخدر على أكتافه وسط الغبار المتساقط، شق طريقه عبر الأنقاض، وضعه في سيارة جيب وانطلق به كالسهم إلى مستشفى ميداني على بعد 2 كيلومتر.
هناك، تنفس الجميع الصعداء وقيل له: "حمد لله على السلامة يا بطل.. لقد فعلت ما لا يفعله بشر"، لكن لطفي لم ينزل من خلف المقود، بل أدار المحرك مرة أخرى وعيناه تشعان ببريق غريب.
"رايح فين يا لطفي؟ أنت كده بتنتحر!"
أجابهم بكلمات مقتضبة، وهو يطير بسيارته نحو مركز النار: "فيه واحد تاني لسه هناك.. وعدت ربنا مش هسيبه".
الفصل الخامس: الخلود تحت الركام
عاد لطفي إلى المستشفى الذي ينهار، دخل غرفة العمليات مرة أخرى، أمسك بمشرطه ليوقف نزيف الجندي الثاني الذي كان ينتظر "الأمل الوحيد".
خمس دقائق فقط.. كانت كافية لتصوب طائرات الغدر صواريخها نحو قلب المستشفى مباشرة. انفجار هائل.. ساد الصمت.. وتحولت المستشفى إلى ركام، وأصبح المشهد عبارة عن قبر عظيم يضم جسد طبيب رفض أن يخون "القسم"، وجندي استشهد وهو يشعر بيد طبيبه تطمئنه.
الخاتمة: ذكرى لا تموت
استشهد لطفي ضيف الله، لكنه ترك خلفه درساً أعظم من الحرب: أن الواجب أقدس من الروح ، منحته مصر "نجمة سيناء" و"وسام الشجاعة"، لكن وسامه الحقيقي هو تلك السيرة التي تجعل جبين كل مصري يتطاول للسماء فخراً.
سلامٌ على من لم يهرب.. سلامٌ على البالطو الأبيض الذي تلطخ بدم الشرف ليصبح أطهر من أي ثوب. نبض مصر لن ينسى أبطاله.


















0 تعليق