قبلات ماكرون وميلوني

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مشهد الاستقبال الودود، المكلل بالقبلات، بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني الأسبوع الماضي بالإليزيه، والذي أثار عاصفة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي حول بروتوكولات الاستقبال الرسمية. انزلق برواد هذه المنصات نحو طرح قاصر ومشوه، غارق في القشور وبعيد عن جوهر الحقيقة السياسية.

إن المتأمل في علاقة ماكرون - ميلوني خلال السنوات الخمس الأخيرة، يجدها تخطو في مسار متعرج من التغيير، حيث تبادلا الاثنان الهجوم العلني مرارا، لاسيما في ملفات الهجرة الشائكة عبر المتوسط. أو النقار الإيدولوجي الذي لاينسينا تعقيب ماكرون الشهير على تغريدة لميلوني بشأن مقتل شاب يميني في فرنسا، حين قال: "الأجدر بكل شخص أن ينشغل بشؤون بلده".

لكن، في رحاب السياسة التي تنتصر لمصالح الشعوب، ثمة ما هو أسمى من الخلاف الأيديولوجي. فخلف مشهد القبلات الذي يرسم الود، ويطمأن آلاف الحلفاء، ، تتبادل الشركات الفرنسية الايطالية ما قيمته ٣٠٠ مليون يورو يوميا بين البلدين.
لكن الاطار الاقتصادي رغم أهميته القصوى ليس الاطار الوحيد الذي يجمع فرنسا ماكرون (الليبرالية) وإيطاليا ميلوني (اليمينية)، اذ وجد الاثنان في بعضهما الشريك المثالي لكسر الهيمنة الصناعية الألمانية على الاتحاد الأوروبي، وخلق ثقل مواز لنفوذ برلين.

ماكرون، الطامح لسيادة أوروبية استراتيجية بعيدا عن قيود التقشف المالي، وجد في ميلوني حليفا قويا يشاطره الرغبة في تغيير قواعد اللعبة الأوروبية التي تتربع عليها برلين بصرامتها المعهودة تجاه الديون والموازنات، وهي الصرامة التي يراها الزعيمان عائقا أمام ضخ استثمارات كبرى في قطاعات مثل الدفاع والذكاء الاصطناعي. لذا، فإن تلك القبلات هي رسالة سياسية للمستشارية الألمانية، مفادها أن أوروبا لم تعد تدار من طرف واحد، وروما وباريس الآن في خندق واحد.

وخلف الابتسامات، لغة الأرقام تتحدث بوضوح، فقد شهدت العلاقة التجارية بين البلدين طفرة غير مسبوقة منذ عام 2020. فبعد انكماش الجائحة، قفز٧ التبادل التجاري ليتجاوز حاجز الـ 110 مليار يورو سنويا بحلول عام 2025. وتشير بيانات الربع الأخير من عام 2025 إلى ميزان تجاري نشط، حيث صدرت فرنسا لإيطاليا بضائع بقيمة 12.3 مليار يورو، مقابل استيراد ما قيمته 13.3 مليار يورو.

هذا التكامل بلا ادني شك ليس وليد الصدفة، فعملاق صناعة السيارات "ستيلانتيس" (نتاج اندماج فيات وبيجو) بات بمثابة دولة صغيرة يستثمر فيها البلدان، تلك الشراكة العملاقة التي تحقق نموا مطردا، جعلت المصالح الصناعية للبلدين اقرب لكيان واحد غير قابل للقسمة.

كما ان أمن الطاقة في علاقات ماكرون ميلوني يعد بمثابة عمود فقري لهذا التقارب. ففي عام 2025، سجلت فرنسا أرقاما قياسية في تصدير الكهرباء المولدة نوويا إلى إيطاليا بحوالي 26.2 تيراواط ساعة. هذا الاعتماد جعل ميلوني تدرك أن استقرار حكمها يتطلب علاقة دافئة مع قصر الإليزيه، تماما كما أدرك ماكرون أن إيطاليا هي بوابته الكبرى لمد النفوذ في المتوسط.

وفي أبريل 2026، انتقل هذا التنسيق إلى مربع الأمن العالمي، عبر مبادرة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في رسالة أخرى لبرلين تشير إلى أن باريس وروما قادرتان على قيادة الأمن القومي الأوروبي ميدانيا، وبعيدا عن التردد الألماني المعهود في الملفات العسكرية.

بالنسبة لماكرون، القبلات والمصافحات الطويلة هي تكتيك دبلوماسي لتعزيز العلاقات بإظهار القرب الشخصي، أما بالنسبة لميلوني فقبول هذه الحميمية هو اعتراف دولي بشرعيتها كزعيمة أوروبية وازنة، استطاعت تحطيم صورة اليمين المنبوذة.

في نهاية المطاف فإن قبلات ماكرون وميلوني ليست قبلات عاطفية، إنما هي قبلات الأرقام والمصالح والسياسة، فالسياسة أخيرا هي فن تحويل الخصوم إلى شركاء ودودين.
لقد أدرك الزعيمان أن صراع الديكة قد يرضي القواعد الحزبية، لكن عناق المصالح هو الوحيد الذي يحمي العروش، ويملأ الخزائن، ويضمن لفرنسا وإيطاليا مقعد القيادة في أوروبا الجديدة المنتظرة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق