السبت 18/أبريل/2026 - 07:25 م 4/18/2026 7:25:05 PM
ولم يستطعْ ذهني مواصلةَ سيْرِه إذْ فاجأني سؤالٌ ماكرٌ
..لماذا"أيتها الدال"وليس"أيها الدال"؟!وبدأ في الجدال أليس هو الحرف الثامن من حروف الهجاء العربية؟!!أتقول هذا حرف"الدال"أم هذه؟!! الحقُّ.. وقفتُ لا أملكُ ردّاً، أعرف أنه ثامن حروف الهجاء العربية، والرابع بين حروف الأبجدية العربية، ويساوي عدديًّا الرقم (4) في حساب الجُمَّل؛ فلكل حرفٍ رقمٌ بحسب هذا الترتيب (أبجدْ هوّزْ حُطِّي كَلَمُنْ...)وقد تنازع الناس في معاني هذه المفردات فقيل: هي أسماءُ ملوكِ مَدْينَ، أو أسماءُ قومٍ كانوا ملوكاً جبابرةً، وقيل هي أسماء الأيام الستة التي خلق الله فيها الدنيا؛ لكن..لماذا أرى في(الدال) حالةً دون أنْ أتطرَّقٍ إلى ما شاع في تراثنا الصوفي أن في (الدال) ثباتاً واتصالاً بين الأرض والسماء ، وأنه مغناطيس القلوب في المحبة نظرا لشكله القريب من الزاوية القائمة لدرجة أن "جلال الدين الرومي" رأى فيه قامةَ العاشق إذا أصابه الحزن أو قُلْ: إنه بهذا الرسم يشبه انحناء القلب في تذلُّلٍ وخشوع...كلُّ ذلك لم يكن في تفكيري؛ فعلاً...أراه حالةً فريدةً، فأول لجوءٍ سياسيٍّ في جاهلية الجزيرة العربية بدأ بسببه، ومن لا يذكر قصيدة "النابغة الذبياني" في وصْف زوجة "النعمان بن المنذر" أشهر ملوك المناذرة التي بدأها بقوله
(أَمِن آلِ مَيَّةَ رائِحٌ أَو مُغتَدِ/ عَجلانَ ذا زادٍ وَغَيرَ مُزَوَّدِ)
لقد كان"النابغة" أقربَ جلساء "النعمان" وشاعر قصره فطلب"النعمان" من "النابغة" وصْف زوجتة في قصيدةٍ تليق بها إذْ كانت فائقة الجمال و"النابغةُ" حَسِن النية فتجاوز في الوصف ليصل لما خفيَ منها... وكافأة الملك ولكن وشى واشٍ إلى النعمان إنه وصْفُ مجرِّبٍ فأمر بقتل النابغة فكان مهربه لدى الغساسنة في الشام.
(سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ/فَتَناوَلَتْهُ وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ)(نَظَرَت إِلَيكَ بِحاجَةٍ لَم تَقضِها/ نَظَرَ السَقيمِ إِلى وُجوهِ العُوَّدِ)(زَعَمَ الهُمامُ بِأَنَّ فاها بارِدٌ/عَذبٌ مُقَبَّلُهُ شَهِيُّ المَورِدِ)(زَعَمَ الهُمامُ وَلَم أَذُقهُ أَنَّهُ/ عَذبٌ إِذا ما ذُقتَهُ قُلتَ اِزدُدِ)(زَعَمَ الهُمامُ وَلَم أَذُقهُ أَنَّهُ/يُشفى بِرَيّا ريقِها العَطِشُ الصَدي)(لَو أَنَّها عَرَضَت لِأَشمَطَ راهِبٍ/عَبَدَ الإِلَهِ صَرورَةٍ مُتَعَبِّدِ)(لَرَنا لِبَهجَتِها وَحُسنِ حَديثِها/وَلَخالَهُ رُشداً وَإِن لَم يَرشُدِ)
لقد افتنَّ الرواة عند هذا الموضع في القصيدة إذ قالوا:
إن النابغة في دخوله على الملك فاجأتْه زوجة الملك فسقط نصيفُها عنها ـ والنصيف نصف ثوب أو نصف خمار (أي غطاء الوجه) ومن هنا فقد سُمُّيَ بالنصيف- فغطت وجهها بمعصمها, فقال النابغة ما قاله واصفا مفتناً، وقد كنَّى عنها حتى لا يشير إليها صراحة؛لكن شعره فضحه وتصويره الرائع خذل ذكاءه،فكان من الأمر ما كان،وبعضهم أكَّد وكأنه كان شاهداً أن النصيف نصف ثوبها السفلي يؤكد زعمهم ماورد في ختام القصيدة من أوصافٍ بالغة الفُحْش تنبض بقدرته الفذة تصويرا واستقصاء وصولا إلى أدق التفاصيل؛لا يفعلها إلا حسيُّ المزاجِ موغلٌ في نظرته الخائنة التي تغزو وتتذوق،ورغم أنه استخدم لفظة (زعم)ثلاث مراتٍ ونفى تقبيل فمها بقوله(لم أذقْه)إلا أنه فرّ بجلْده من شطط النعمان ليبدأ غرَضاً شعرياً مقصوراً عليه ألا وهو "الاعتذار"،إذ صُربَ به المثَل في الاعتذار فقيل "أشعر الشعراء أربعة آخرهم... والنابغة إذا رهب"!!، ولعلي وقارئي الكريم نقول له المثل العامي المصري "إن خفت...ما تقول، وإن قلت ...ما تخاف"،ولعلي أيضاً بآخر بيتين فيما سبق من اختياري:
(لَو أَنَّها عَرَضَت لِأَشمَطَ راهِبٍ/ عَبَدَ الإِلَهِ صَرورَةٍ مُتَعَبِّدِ)(لَرَنا لِبَهجَتِهاوَحُسنِ حَديثِها/وَلَخالَهُ رُشداً وَإِن لَم يَرشُدِ)
ألا يذكِّرانك بصوت"صباح فخري"الرائع،وهو يترنم بما قاله مِسْكِينُ الدَّارِمِيُّ"ربيعةُ بنُ عامرِ بنِ أُنَيْفِ الدارميّ التميميّ الشاعر الأموي العراقي:
(قل للمَليحة في الخِمارِ الأَسوَدِ/ماذا فعلت بناسكٍ متعبدِ)(قد كانَ شَمَّرَ للصَلاة ثيابَه/حتى قعدتِ له بباب المسجد)(رُدِّي عليه صلاتَه وصيامَه/ لا تقتليه بحق دين محمد)
لقد غلب لقب "مِسكين" عليه لأبياتٍ قالها فاشتُهِر به،
والطريف أن القافية"دالٌ"
كقافية أبيات "النابغة"ضبطاً وحركة إعرابٍ،والأكثر طرافةً قصتُها،فقداعتزل"مسكين الدارمي" الدنيا ولزم محرابه، لكنَّ أحد التجار استنجد به حين كسدتْ بضاعته، وبقي معه خُمُرٌ سودٌ لا تروق النساء، فاستنجد بالدارمي،فلم يُخيِّب ظنه وكتبها،وبعث بها لمغنٍّ، لتتسابق النساء على شرائها ظناً منهن أنها تفتن النُّسَّاك، ولم تمض أيامٌ حتى باع التاجر ما ركد من بضاعته،وعاد الدارمي إلى عزلته وعبادته، وكأن شيئا لم يكن.ونحن يأخذنا الشعر و"صباح فخري" لعوالمَ سحريةٍ رغم أنه إعلانٌ تسويقيٌّ لاغير.!!
وقبل أن أغادر خيْمةَ"النابغة" وحالة"الدال"المشتهاة كثيرا ما أجد من الشعراء الذين لا يجدون للتدليل على تحرُّرهم وسعة ثقافاتهم وثراء مخزونهم غير ترديد أبيات"النابغة"
الموغِلة في الفحش دون تحرُّزٍ من وجود نساء أو من يُعفُّ أذنيه عن سماع ذلك لكنها حالة"الدال" المشتهاة!!،وهناك حالةُ الدال" المشتهاة تصل بمرضاها لحالةٍ فريدةٍ من الشعور بالنقص الدافعِ صاحبَه إلى التدرُّع بدرع"الدال" تسبق اسمه ثم يلحق بها لقبٌ نحاسيٌّ يراه يحجز له مَقاماً بين محيطيه..:
فترى حاملاً دبلوم زراعةٍ ومعه دكتوراة في فرع النقد الأدبي،
وترى ممرضاً أو فنيَّ تحاليلٍ يُصرُّ على مناداته باستخدام "الدال" اللعينة ليكتظ المشهد بـ"دالات"شبيهة بصفْق نحاسٍ في فرقة"حسب الله" والكارثة
...أن يُدعى أصحابُ"الدالات" ذوو الياقات المُنشَّاةِ للتحدُّث بثقةٍ في وسائل الإعلام والفعاليات تذكرني بما تنقله صفحات الحوادث من اكتشاف الكثير من المراكز الصحية للعلاج ومراكز علاج الإدمان ومراكز العلاج الطبيعي يديرها من لم يكملوا تعليمهم الجامعي لكنهم يحلمون بسمّاعةٍ وبالطو أبيض...ولابد أن تكتمل لوحة الكوميديا الساخرة بنصٍّ صادمٍ من الشعر الحلمنتيشي للرائع"سيد حجاب"فما رأيك.. دام فضلُك....!!!
(سلوا قلبي وقولوا لي جوابا/لماذا حالنا أضحى هبابا)(لقد زاد الفساد وساد فينا/فلم ينفع بوليس أو نيابه)(وشاع الجهل حتى أن بعضا/من العلماء لم يفتح كتابا)(وكنا خير خلق الله... صرنا/فى ذيل القايمة وف غاية الخيابه)(ونهدى مصر حبا بالأغانى/فتملؤنا أغانينا اغترابا)(وسيما الهلس تشبعنا عذابا/وتشبعنا جرائدنا اكتئابا)(زمان يطحن الناس الغلابة/ويحيا اللص محترما مهابا)(فكن لصا إذن أو عش حمارا/وكُلْ مشًّا إذن أو كلْ كبابا)(ودس ع الناس أو تنداس حتى/تصير لنعل جزمتهم ترابا)(أمير الشعر عفوا واعتذارا/لشعرك فيه أجريت انقلابا)(وما نيل المطالب بالطيابه/دي مش دنيا يا شوقي بيه دي غابه...!!! )


















0 تعليق