السبت 18/أبريل/2026 - 11:36 ص 4/18/2026 11:36:13 AM
لم تعد الحرب الدائرة الآن مجرد اشتباكٍ عابرٍ بين قوى متنازعة، بل تحوّلت إلى اختبارٍ قاسٍ لما تبقّى من تماسكٍ عربيٍّ يتآكل ببطء، كجدارٍ قديمٍ تأكله الرطوبة من الداخل.
حربٌ لا تُشبه سابقاتها، لأن ساحاتها لم تعد محدودة، وحدودها لم تعد مرسومة على الخرائط، بل امتدّت إلى العواصم، والأسواق، والبيوت، وحتى إلى أعصاب الشعوب التي أنهكها الانتظار.
في هذه اللحظة الراهنة، لم يعد الخليج بعيدًا عن ألسنة اللهب، بل أصبح في قلب المعادلة.
تورّطٌ محسوبٌ في بداياته، ثم انجرافٌ تدريجيٌّ نحو صراعٍ مفتوح، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع حسابات الأمن القومي، وتتحوّل الموانئ إلى نقاط توتر، والممرات البحرية إلى أوراق ضغط، والاقتصاد إلى رهينة في لعبة الأمم.
لم يعد النفط ورقة قوة كما كان، بل أصبح هدفًا، وأداة ابتزاز، ومصدر قلقٍ عالمي.
كل صاروخٍ يسقط في محيط الخليج لا يهزّ الأرض فقط، بل يحرّك أسعار الطاقة، ويعيد رسم خرائط النفوذ، ويضع الدول العربية أمام سؤالٍ مرعب:
هل نحن أطراف في الحرب… أم مجرد ساحات لها؟
المشهد العربي اليوم أكثر انكشافًا من أي وقت مضى.
دولٌ تخشى أن تُصنَّف، فتلوذ بالصمت، ودولٌ تحاول أن تمسك العصا من المنتصف فتفقد التوازن، وأخرى اندفعت في محاور متصارعة دون حسابٍ دقيقٍ لكلفة البقاء في هذا الاصطفاف.
وفي المنتصف، يقف المواطن العربي، كعادته، يدفع الثمن كاملًا… دون أن يكون شريكًا في القرار.
لقد تغيّر معنى الأمن في هذه المرحلة.
لم يعد الأمن هو حماية الحدود فقط، بل حماية الداخل من الانهيار، وحماية الاقتصاد من السقوط، وحماية المجتمعات من التآكل النفسي والمعنوي.
فالخطر لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح خطرًا مركّبًا، يمتد من ارتفاع الأسعار إلى تراجع فرص العمل، ومن اضطراب سلاسل الإمداد إلى اهتزاز الثقة في المستقبل.
وفي ظل هذا التصعيد، تبدو الممرات الحيوية كأنها قنابل موقوتة.
من مضيق هرمز إلى باب المندب، حيث تمر شرايين التجارة العالمية، يكفي خطأ واحد، أو حسابات خاطئة، لإدخال المنطقة في اختناق اقتصادي قد يمتد أثره من الخليج إلى قناة السويس، ومن أسواق النفط إلى موائد البسطاء.
أما على المستوى السياسي، فقد انكشفت هشاشة النظام العربي أكثر من أي وقت مضى.
لا موقف موحّد، ولا رؤية جماعية، ولا حتى قدرة على إدارة الخلافات الداخلية.
انقسامٌ بين من يرى في التصعيد ضرورة، ومن يراه انتحارًا، وبين من ينتظر نتائج المعركة ليحدّد موقفه، وكأن مصير الشعوب يُكتب في غرف الآخرين.
وفي الخلفية، تتحرّك القوى الإقليمية بثقةٍ أكبر.
إيران تمدّ نفوذها عبر ساحات متعددة، وتركيا تعيد تموضعها وفق مصالحها، بينما تراقب القوى الكبرى المشهد، لا لتمنع الحرب، بل لتديرها بما يخدم توازناتها.
وهنا، يتحوّل العربي مرة أخرى من فاعلٍ إلى مفعولٍ به.
الأخطر من الحرب نفسها، هو ما بعدها.
فكل حربٍ تترك وراءها خرائط جديدة، ووقائع لا يمكن التراجع عنها، وتوازنات تُفرض بالقوة لا بالتفاوض.
وقد نجد أنفسنا أمام شرق أوسطٍ مختلف، تُعاد فيه صياغة الدول، وتُختصر فيه السيادة، وتُفتح فيه أبوابٌ جديدة للفوضى.
في هذه اللحظة، لا ينفع أن نكون نصف موقف.
ولا يكفي أن نُدين أو نُبارك.
المطلوب هو وعيٌ حقيقي بحجم التحوّل، وإدراك أن استمرار هذا المسار يعني أن تتحوّل المنطقة كلها إلى ساحة مفتوحة، بلا سقفٍ ولا نهاية.
فالتاريخ لا ينتظر المترددين،
ولا يرحم الغافلين،
ولا يذكر أولئك الذين اكتفوا بالمشاهدة.
وبين هدير الطائرات، وضجيج التصريحات، وصمت الشوارع العربية، يبقى السؤال معلقًا:
هل ما زال في هذا الجسد ما يكفي ليقاوم…
أم أننا دخلنا فعلًا زمن التيه الكبير؟
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية والصراعات الدولية

















0 تعليق