تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة التعقيد في تاريخها الحديث، في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية بشكل غير مسبوق. وقد أدى ذلك إلى انتقال مركز التوتر من المواجهات العسكرية التقليدية إلى مستويات أعمق تتعلق بالسيطرة على الموارد الاستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة وممرات التجارة العالمية.
وفي خضم هذا المشهد، لم تعد الحروب تُقاس فقط بحجم العمليات العسكرية، بل بمدى قدرة الأطراف المختلفة على التأثير في الاقتصاد العالمي وفرض معادلات جديدة عبر أدوات ضغط غير مباشرة. وفي هذا الإطار، برزت ما يُعرف بـ"حرب الممرات" كأحد أخطر ملامح المرحلة الحالية، حيث تحولت الممرات البحرية الحيوية إلى أوراق ضغط تستخدمها القوى المتصارعة لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي عالميًا.
وتتصاعد المخاوف من انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد حمزة الحسيني، الخبير الاقتصادي، أن الصراع الدائر لم يعد مجرد مواجهات عسكرية، بل تحول إلى صراع اقتصادي يستهدف التأثير على القوى الكبرى من خلال بوابة الطاقة. وأشار إلى أن ما يجري هو محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية عبر الضغط على شرايين الاقتصاد الدولي، لافتًا إلى أن الدول العربية تمتلك أدوات مؤثرة يمكنها—إذا استُخدمت—أن تُحدث تحولًا سريعًا في مسار الصراع.
سلاح الطاقة وتأثيره:
وأشار الحسيني إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك وسائل حاسمة لاحتواء التصعيد، من بينها تفعيل بند "القوة القاهرة" ووقف إنتاج النفط والغاز، وهو ما قد يسبب صدمة قوية في الأسواق العالمية تدفع الأطراف المتنازعة إلى إعادة حساباتها. واستدل بالموقف القطري الذي أعلن تضرر بعض منشآته، معتبرًا أن استخدام هذا النوع من الضغط الاقتصادي قد يساهم في تهدئة الأوضاع نظرًا لاعتماد العالم الكبير على طاقة المنطقة.
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، نفى الحسيني ما يُشاع حول امتلاك إيران قدرات استثنائية للسيطرة عليه، موضحًا أن طبيعته الجغرافية تجعله عرضة للتأثر بوسائل عسكرية محدودة، وليس نتيجة تفوق استثنائي. كما أشار إلى أن النظام الإيراني يعاني من مشكلات هيكلية منذ سنوات، وأن سياساته التصعيدية تمثل تهديدًا لاستقرار المنطقة، خاصة في ظل استهدافه لدول الخليج رغم الروابط المشتركة.
تداعيات اقتصادية عالمية
وحذر من خطورة فرض رسوم عبور مرتفعة في مضيق هرمز، موضحًا أن فرض تعريفة قد تصل إلى مليوني دولار على السفن قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع عالميًا، ما ينذر بموجة تضخم حادة. وأضاف أن آثار هذه الأزمة قد تستمر لسنوات، مرجحًا أن يمتد التعافي الاقتصادي الكامل في المنطقة، بما فيها مصر، إلى ما بعد عام 2028، نتيجة الأضرار التي لحقت بسلاسل الإمداد وقطاع السياحة.وأكد الحسيني أن الموقف المصري تجاه دول الخليج يستند إلى ثوابت استراتيجية، حيث يرتبط أمن الخليج بشكل وثيق بالأمن القومي المصري. وأوضح أن القاهرة تتعامل مع هذه التحديات برؤية استباقية تقوم على ترشيد الموارد وتعزيز الاستقرار الداخلي، مشيدًا بقدرة الدولة على إدارة الأزمات، كما حدث خلال جائحة كورونا وأزمات الطاقة العالمية.


















0 تعليق