التطبيع الصامت!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مراجعات

الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 09:39 م 4/14/2026 9:39:13 PM

تكرار حوادث «الانتحار» المأساوية، مؤخرًا، لا يجب أن يمر مرور الكرام، واعتبار ما حدث نتيجةً لسوء الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، أو ضبايبة المستقبل، كما لا يمكن أن يكون تشابهًا في نمط التفكير والسلوك!
وفي ظل عدم وجود إحصائية دقيقة، فلا يمكننا القول بأن «الانتحار» بات ظاهرة مقلِقة ـ رغم وقوع 4 حوادث انتحار متلاحقة في 10 أيام فقط ـ أثارت بشاعتها، صدمة قوية، لدى الرأي العام، في «مجتمع محافِظ»!
وبعيدًا عن الحُكم الديني، فربما توجد حالات أخرى لم يتم الكشف عنها، أو تم إنقاذها من موت محقق، لكن ما يستوقفنا هو عندما يتعلق الأمر بسلوك عدواني يرفض الحياة أو التصالح مع النَّفس، أو أن يكون نتيجة ظرفية، لمواجهة القهر، وضغوط الحياة اليومية.
ورغم أن حوادث «الانتحار» ليست سوى وقائع فردية معزولة، لكنها باتت مؤشرًا اجتماعيًّا خطيرًا، يكشف خللًا عميقًا في منظومة الدعم النفسي والاجتماعي، كما يتعلق بتساؤل منطقي، وهو كيف يصل الإنسان إلى لحظة يقرر فيها إنهاء حياته؟
ربما تكون الأزمة النفسية الحادة، أحد أهم الأسباب التي تدفع باتخاذ هذا القرار المأساوي، غير أن اختزال تكرار تلك الحوادث المفجعة، في ذلك فقط، يُعد تبسيطًا مُخِلًا، لأن «السلوك الانتحاري» غالبًا ما يكون نتيجة تفاعل معقَّد بين عوامل نفسية، وضغوط اقتصادية، وتفكك اجتماعي، وشعور بالعزلة، وعزوف عن الحياة.
كما يمكن النظر إلى تلك الحوادث بوصفها معبرة عن «فجوة الدعم»، حيث يتراجع دور الأسرة الحاضنة، وضعف شبكات الأمان المجتمعي، في ظل خدمات صحة نفسية محدودة الوصول، أو محاطة بوصمة اجتماعية تمنع من طلب المساعدة، خصوصًا أن الإنسان الذي يعاني، لا يفتقر فقط إلى العلاج، بل إلى الاعتراف بآلامه وأحزانه، أو إلى مَن يُنصِت إليه باهتمام، بدون حكم مسبق.
اللافت أن تكرار تلك الحوادث وتزامنها القريب، قد يُوَلِّد ما يُعرف في علم الاجتماع بـ«التطبيع الصامت»، إذ يتحول حدث الانتحار الصادم إلى خبر عابر، يُستهلك إعلاميًّا، ثم يتم نسيانه سريعًا، دون تفكيك أسبابه، أو بناء سياسات وقائية حقيقية.. وهنا تكمن المفارقة، برصدنا للنهاية فقط، لكننا لا نرى المسار الطويل من الألم الذي سبقها.
إن التعامل مع تلك الحوادث يتطلب مقاربة على المستويين الفردي والمؤسسي، بتعزيز الوعي الصحي النفسي، وتوسيع خدمات الدعم المجانية، ودمجها في المدارس والجامعات وأماكن العمل، أما على المستوى الثقافي.. فالمعركة الأهم هي كسر وصمة «طلب المساعدة»، وتحويلها من علامة ضعف إلى مؤشر وعي ومسؤولية.
أخيرًا.. لا يمكن قراءة هذه الحوادث باعتبارها «نهايات مأساوية» فقط، بل بوصفها رسائل إنذار مبكرة من أشخاص لم يجدوا طريقًا آخر للتعبير عن معاناتهم، ولذلك فإن إنقاذ حياة واحدة لا يبدأ من لحظة السقوط، بل من لحظة الإصغاء الأولى.
فصل الخطاب:
يقول الأديب الروسي «ليو تولستوي»: «أقوى الناس ليس مَن يستطيع تحمل الألم وحده، بل أن يجد مَن يشاركه هذا الألم».

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق