نقلت النصوص النبوية أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانت خفية ابتداءً لتتكون خلية الإسلام، فالخلايا يكون بذر البذور فيها بالكتمان؛ لأن الجهر يبددها قبل أن تتكون، وما أن نزل قول الله تعالى : {وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ} [الشعراء: ٢١٤]، وقوله تعالى: {فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ } [الحجر: ٩٤]، حتى جهر بالدعوة ولاقى ما لاقى من النكران ولكن الله ثبته وقواه.
مفهوم الدعوة لغةً
لغة: اسم من الفعل (دعا) ومعناها: مطلق الطلب لأي شيء حسي كطعام أو معنوي كفكرة [المعجم الوسيط مادة [دعا] مجمع اللغة العربية القاهرة ١٩٨٥م ١/ ٢٨٦] وعند ابن فارس: هي فن الإمالة للجمهور نحو شيء معين بأي وسهيلة متاحة. [مقاييس اللغة، ابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون ٢/ ٢٧٩].
معنى الدعوة
واصطلاحا: ورد في تعريفها عدة تعريفات منها:
"العلم الذي به تعرف كافة المحاولات الفنية المتعددة الرامية إلى تبليغ الناس الإسلام بما حوى من عقيدة وشريعة وأخلاق [د/أحمد غلوش: الدعوة الإسلامية دار الكتاب العربي اللبناني ١٩٧٨م ط١].
أو هي "تبليغ الإسلام للناس وتعليمهم إياه وتطبيقه في مواقع الحياة " [المدخل إلى علم الدعوة: د/محمد أبو الفتح البيانوني: طبع أولى مؤسسة الرسالة بيروت ١٩٩١م ص١٦ - ١٧] أو "هي برنامج كامل يعم جميع المعارف التي يحتاج إليها الناس ليبصروا الغاية من محياهم وليستكشفوا معالم الطريقة التي تجمعهم راشدين. [مع الله: محمد الغزالي: ط٣ مطبعة مخيمر١٩٦٥م ص١٧.]
أو هي فن يستميل الناس إلى الإسلام بالوسائل المناسبة ليتعلموه ويطبقوه في واقع الحياة".
والدعوة بهذا المفهوم:
إما أن نتوجه بها إلى غير المؤمنين بالإسلام لنكشف لهم عن محاسن هذا الدين واستقامة عقيدته ونبل مقاصده وعظمة تشريعاته وغالبا ما يكون ذلك في المجتمعات غير الإسلامية كأوروبا وأمريكا وغيرها.
وإما أن نتوجه بها إلى المؤمنين به والمعتنقين له لنأخذ بأيديهم ونبصرهم حتى يعملوا بمقتضى مبادى هذا الدين ويسيروا على نهجه الذي اختاروه في العقيدة والعبادة والسلوك والأخلاق والمعاملات.
وعلى كل ف ث١إن كلمة الدعوة من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الإسلام كدين وعلى عملية نشره وتبليغه للناس، وسياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد فمثلا إذا قيل: هذا من رجال الدعوة إلى الله كان معنى الدعوة هنا محاولات النشر والتبليغ، وإذا قيل: اتبعوا دعوة الله كان المراد الإسلام.
وإذا ذكرت على إطلاقها فإنها تنصرف عرفا إلى محاولة نشر الإسلام وتبليغه للعالمين، وهو المعنى الذي تواردت عليه معظم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وخير من قام بتبليغ الدعوة هو الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أعده الله لها وهيأه لحملها ثم كلفه بتبليغها حين نزل عليه قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ * قُمۡ فَأَنذِرۡ} [المدثر: ١-٢]
الدعوة السرية
فبدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته سرا يدعو كل من وثق فيه إلى عبادة الله، وكان يلتقي بالأولياء والأصدقاء المقربين، وكان أول من آمن به من النساء زوجته، ومن الصبيان على بن أبى طالب، ومن الموالي زيد بن حارثه، ومن الرجال أبو بكر الصديق الذي أسلم على يديه كثير من الأحرار والعبيد، وظلت الدعوة سرية حوالي ثلاث سنوات أسلم فيها ثلاثة وخمسون شخصا بينهم عشر نساء [السيرة النبوية ابن هشام ط٢ نشر الحلبي ١٩٥٥م ١/ ٢٥٤ - ٢٦٥].
وإنما كانت الدعوة خفية ابتداء لتتكون خلية الإسلام، فالخلايا يكون بذر البذور فيها بالكتمان؛ لأن الجهر يبددها قبل أن تتكون حتى يبدو عودها ويتكون سوقها، فكل فكرة جديدة لابد أن تلتقي حولها قلوب مؤمنة بها، ويكون بعد ذلك إعلانها والمجاهرة بها.
ولم تكن السرية في هذه الدعوة استخفاء بالدعوة فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلن ما جاء من نذير وما عنده من تبشير ولكن الذي كان يستخفي به هو إقامة العبادة ومدارسة الاسلام في دار الأرقم بن أبى الأرقم.
متى جهر النبي بالدعوة؟
ومكث عليه الصلاة والسلام يدعو سرا حتى نزل عليه قوله تعالى: {وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ } [الشعراء: ٢١٤] وقوله تعالى: {فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ } [الحجر: ٩٤] فبدل بالدعوة سرا الدعوة جهرا ممتثلا أمر ربه واثقا بنصره ووعده.
وبدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعشيرته الأقربين، فصعد على الصفا فجعل ينادى: يا بنى فهر، يا بنى عدى، يا بنى عبد مناف، ثم نادى بطون قريش حتى اجتمعوا إليه فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر الخبر فجاء أبو لهب بن عبد المطلب وقريش فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب تبالك ألهذا جمعتنا» فأنزل الله شأنه: {تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ * مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ * سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ} [المسد: ١-٣] [البخاري مع الفتح كتاب التفسير ٩/ ٧٦٣ كتاب التفسير]؛ وهكذا دمغه الوحي بهذه الآيات البينات التي كانت بمثابة التشجيع للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليستمر في دعوته ويمضي إلى غايته، فكانت حافزا قويًّا على النشاط في إذاعتها والمضي في سبيل انتشارها، كما كانت سابقة فأل ومقدمة بشارة بأن الله سينصر الحق على الباطل ويتم نوره ولو كره المشركون.
وقد وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته في السر والجهر بإصرار وثبات، وصادف من بيئته جمودًا ومعارضة تمثلت في ردود فعل مختلفة أقلها تعذيب أتباعه، ثم مقاطعتهم ثم محاولة قتله بوصفه صاحب اللواء فإذا سقط انتهت دعوته ولكن الله عصمه، ونصره بالهجرة وامتن عليه بالفتح حتى إذا صار للإسلام الكلمة العليا في الجزيرة العربية، فاضت الوحدانية بالنور إلى الأقاليم المجاورة إقليمًا بعد إقليم.


















0 تعليق