عصمة الحكام

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قضية ورأى

الإثنين 13/أبريل/2026 - 09:25 م 4/13/2026 9:25:42 PM

بينما يضج مجتمع الفضاء الإلكترونى بآلاف التحليلات عن الحرب وتكتيكاتها، وتناقل أخبارها، وغالبيتها أخبار مزيفة، أو موجهة تحتاج تدقيقا كبيرا، فإن العسكريين لديهم مجتمع آخر لا يعرف العواطف والتزييف والاحتمالات الهشة.
فالخطأ لا يمكن إصلاحه عبر «الكيبورد»، لأن الخطأ العسكرى يعنى فقدان أرواح إلى الأبد.
مثلا، فى 2003 عندما كانت الولايات المتحدة تنسف جيش صدام حسين نسفا، وكان محمد سعيد الصحاف وزير الخارجية والإعلام فى النظام العراقى وقتها، يدير معركة «ميديا»، ويتصدر الفضائيات بأسلوب يسخر من القوات الأمريكية ويصفهم بـ«العلوج» و«المرتزقة» الذين سيلقون حتفهم على أسوار بغداد.
كان من يشاهد «الصحاف» وهو يتحدث بثقة، يرى فيه قوة عسكرية لا تقهر، وقوة مقاومة عاتية ضد الآلة العسكرية الأمريكية.
كان الرجل يحذر الولايات المتحدة من مصير غامض، ويصدر بيانات متلفزة عن هزيمة الكتائب الأمريكية، ويدعى أن كل ما تنشره الولايات المتحدة عبر قنواتها من انتصارات فى العراق، هو محض كذب، لدرجة أنه شكك فى احتلال مطار بغداد واعتبر فيديو تمركز القوات الأمريكية فيه مجرد فيلم تم تصويره فى هوليوود لرفع الروح المعنوية للجيش الأمريكى.
كان الملايين، خارج العراق وداخله يصدقونه، كرها فى الهيمنة الأمريكية، ورغبة كامنة فى تحقيق نصر عربى، حتى لو بيد صدام حسين الذى غزا دولة شقيقة هى الكويت، وتسبب فيما آلت له المنطقة من تداعيات حتى يومنا هذا.
وفى آخر مؤتمر صحفى له فى يوم سقوط بغداد، كان «الصحاف» يتجول فى شوارع العاصمة بصحبة الفضائيات، قبيل ساعات من إسقاط تمثال صدام، وأعلن أن «الأمريكان ينتحرون بالآلاف على أسوار بغداد».
بعدها بأيام قليلة، ذهب «الصحاف» برجليه ذليلا، ليسلم نفسه للقوات الأمريكية.. لكنهم أخبروه أنه ليس فى قائمة المطلوبين.. وتم إطلاق سراحه فورا.
فغادر إلى الإمارات وعاش فيها، تاركا العراق وذكريات من الكذب و«المقاومة الفضائية».
كان يمكن لصدام حسين إنقاذ العراق مرتين، الأولى عام 1990 بعد أن غزا الكويت وطلب منه العالم الإنسحاب فلم ينسحب.
والأخيرة، عندما أرادت الولايات المتحدة تفكيك العراق، عام 2003، ففضل أن يبقى فى السلطة ليواجه المستعمر شكلا، بينما المواجهة الحقيقية لم تتحقق.
المواجهة الحقيقية للمستعمرين الجدد، لا تتحقق بالخداع الإعلامى والمقاومة الفضائية المزيفة، وإنما بإقامة العدل وبناء دولة مؤسسات، والمصارحة والمكاشفة، وتغليب المصلحة الوطنية على مصلحة من يحكمون.
ربما لهذا أخشى الأسوأ لإيران، لأن فكرة الحكم فيها، قائمة على «عصمة سياسية وأمنية» تماما كعصمة «الأئمة الاثنى عشر» من الخطأ والنسيان والذنوب.. وهى فكرة لا يمكن أن تنتصر.
فالخروقات الأمنية والعسكرية هناك، مستمرة منذ سنوات، فى أعلى المستويات، بلا رقيب أو حسيب، وكأن العصمة التاريخية الدينية -رغم عدم قناعتى بها- انتقلت لجميع المستويات الحاكمة الحالية.
العصمة ليست حلا..
فقط العدل ودولة المؤسسات، هما أقوى سلاح ضد الإمبريالية الجديدة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق