لم يعد الأمر مجرد رسائل مشبوهة تصل إلى بريدك الإلكتروني، بل تحول التهديد السيبراني إلى منظومة إجرامية متكاملة تستهدف حساباتك المصرفية وبطاقاتك الائتمانية وبيانات تسوقك عبر الإنترنت، هذا ما كشف عنه أحدث تقرير صادر عن شركة كاسبرسكي للأمن السيبراني، الذي رسم صورة مقلقة عن المشهد الراهن للجرائم المالية الإلكترونية على مستوى العالم، مع تسليط الضوء بشكل خاص على منطقة الشرق الأوسط.
التسوق الإلكتروني.. الفخ المفضل للمحتالين في الشرق الأوسط
تكشف أرقام التقرير عن حقيقة صادمة تخص مستخدمي الإنترنت في منطقتنا؛ إذ تتركز نسبة 85.5% من عمليات التصيد الاحتيالي المالي في الشرق الأوسط على منصات التجارة الإلكترونية، وهو رقم يتجاوز بمراحل المتوسطات العالمية.
يعكس ذلك ببساطة أن المحتالين يعرفون جيداً أين يضع المستخدمون ثقتهم وأموالهم، فيوظفون تلك الثقة لإنشاء متاجر وهمية تحاكي المنصات الشهيرة بدقة مذهلة، تخدع حتى المستخدم الحذر.
وعلى مستوى الاتجاهات العالمية، تصدرت صفحات التصيد التي تنتحل صفة المتاجر الإلكترونية قائمة التهديدات بنسبة 48.5% خلال عام 2025، بارتفاع ملحوظ قدره 10.3% مقارنة بالعام السابق، في المقابل، تراجعت حصة التصيد المصرفي إلى 26.1%، فيما استأثرت صفحات أنظمة الدفع بنسبة 25.5%.
مليون حساب مصرفي مخترق.. والشبكة المظلمة تتولى الباقي
الأرقام لا تكذب؛ فوفق بيانات استخبارات البصمة الرقمية لدى كاسبرسكي، تضرر أكثر من مليون حساب مصرفي إلكتروني تابع لأكبر 100 مصرف في العالم جراء برمجيات سرقة المعلومات خلال عام 2025 وحده، والأخطر من ذلك أن بيانات تسجيل الدخول لهذه الحسابات باتت تُتداول بحرية تامة في أسواق الشبكة المظلمة، حيث تُعاد تنظيمها وبيعها كسلعة رائجة.
أما بطاقات الدفع المسروقة، فالوضع لا يقل خطورة؛ إذ تبيّن أن 74% منها لا تزال صالحة للاستخدام حتى مارس 2026، مما يعني أن ضحايا السرقة ربما لم يدركوا بعد أن بياناتهم في يد مجرمين.
شهدت المرحلة الأخيرة قفزة نوعية في انتشار برمجيات سرقة المعلومات على الحواسيب الشخصية؛ إذ سجّل كاسبرسكي ارتفاعاً حاداً بلغ 59% على المستوى العالمي، و26% في منطقة الشرق الأوسط تحديداً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2025.
تعمل هذه البرمجيات في صمت تام، حيث تسرق كلمات المرور وملفات تعريف الارتباط وأرقام البطاقات الائتمانية وحتى عبارات استرداد محافظ العملات الرقمية، دون أن يشعر الضحية بأي شيء.
وفي الوقت ذاته، لم تسلم الأجهزة المحمولة من هذا التصاعد؛ إذ ارتفعت هجمات البرمجيات الخبيثة التي تستهدف الخدمات المصرفية عبر الهواتف بمعدل 1.5 مرة مقارنة بالعام الماضي، في مؤشر واضح على أن المهاجمين يتعقبون المستخدم أينما ذهب.
وصفت بولينا تريتياك، محللة استخبارات البصمة الرقمية في كاسبرسكي، ما يجري بأنه "منظومة شاملة ومستدامة"، تتكامل فيها أدوات السرقة مع شبكات التوزيع والبيع، فالشبكة المظلمة لم تعد مجرد ملتقى للهاكرز المحترفين، بل أصبحت سوقاً مفتوحة تتوفر فيها أدوات التصيد الاحتيالي كـ"خدمات جاهزة للاستخدام"، مما يفتح الباب أمام مجرمين من مستويات تقنية متدنية لتنفيذ هجمات بالغة الأثر.
وتؤكد المحللة أن كسر هذه الحلقة الإجرامية يتطلب تبني نهج استخباراتي استباقي من قِبل المؤسسات، إلى جانب رفع مستوى الوعي الفردي لدى المستخدمين.
كيف تحمي نفسك؟
للمستخدمين الأفراد:
تجنب النقر على الروابط الواردة في الرسائل المشبوهة، وتحقق دائماً من عنوان الموقع قبل إدخال أي بيانات حساسة
فعل المصادقة متعددة العوامل على جميع حساباتك المالية دون استثناء
استخدم كلمات مرور قوية وفريدة لكل حساب، واحتفظ بها في مدير كلمات مرور موثوق
ثبّت حلاً أمنياً متكاملاً قادراً على اكتشاف المواقع المزيفة وصفحات التصيد قبل وقوع الضرر
للمؤسسات والشركات:
إجراء تقييم دوري شامل للبنية التحتية الأمنية مع الاستعانة بخبراء خارجيين لرصد الثغرات الخفية
نشر منصات متكاملة لرصد الهجمات والاستجابة لها في الوقت الفعلي
مراقبة مستمرة لموارد الشبكة المظلمة لاستشراف التهديدات قبل وقوعها
يؤكد تقرير كاسبرسكي أننا أمام تحول جذري في طبيعة التهديدات السيبرانية المالية؛ فلم يعد المهاجم يحتاج إلى مهارات تقنية عالية، ولم يعد الضحية بحاجة إلى ارتكاب خطأ فادح كي يقع في الفخ، في ظل هذا الواقع، لم يعد الأمان الرقمي خياراً بل ضرورة حتمية لكل من يستخدم الإنترنت لإدارة أمواله أو تسوقه اليومي.


















0 تعليق