المفاوض الإيراني مش موظف جاي ينفذ أوامر وخلاص، ده واحد داخل وهو فاهم اللعبة، وحاسس إنه جزء من صناعتها، مش مجرد لاعب فيها، أول حاجة لازم تبقى واخد بالك منها كمتابع لأحداث المفاوضات إنك لو مستعجل، يبقى أنت اللي في ورطة مش هو، الإيراني عنده رفاهية الوقت، بمعنى انه بيقعد يلف ويدور، ويطوّل يرجّع خطوة ويقدم خطوتين عادي جداً، لانه هو مش شايف إن المفاوضات سباق، هو شايفها نَفَس طويل فلو دخلت عليه بعقلية نخلص بسرعة غالباً هتدفع تمن استعجالك.
المفاوض الإيراني بيحسبها زي التاجر الشاطر هتاخد إيه قصاد اللي هتديه؟ مفيش حاجة اسمها خطوة مجانية، لازم كل حاجة تبقى باين فيها مكسب ليه حتى لو شكلي، يعني لو قدمت عرض، لازم هو يشوفه صفقة كسبانة، مش ضغط عليه.
نيجي بقى للنقطة الأخطر وهو الكلام اللي بيتقال مش هو الحقيقة الكاملة، لأن في خطاب بيتقال للداخل بيكون فيه شعارات وثورية وكلام كبير، وفي خطاب تاني خالص بيتقال على الترابيزة، فلو خدت الكلام زي ما هو هتتوه، فلازم دايماً تسأل نفسك: هو بيقول كده لمين؟ وليه دلوقتي؟
وهنا ندخل على شخصية المفاوض نفسه، وببساطة كده لو هتفاوض الإيراني، لازم تلعب لعبته مش لعبتك، عشان كده هو معندوش مشكلة يطوّل المفاوضات شهور وسنين، بالعكس ممكن يكون ده هدف في حد ذاته، فكل ما الوقت يعدي ممكن خصمه بيضعف في انتخابات مرتقبة، أو ضغط داخلي أو في اقتصادة، والمفاوض الإيراني قاعد مستني.
وفي النهاية قد لا تُحسم الأزمات فقط على طاولة التفاوض، بل تُحسم أيضاً بهوية من يدير هذه الطاولة، بين وسيط يصنع التوازن، وآخر قد يكون جزءاً منه، فالوسيط ليس مجرد ناقل رسائل، بل طرف فاعل يصنع المناخ، ويمنع الانهيار، ويطرح بدائل حين تصل الأطراف إلى حافة الجمود.
ومن هنا يصبح من الصعب التعامل مع باكستان كوسيط محايد بالمعنى الكامل، في ظل انخراطها في توازنات إقليمية معقدة، وحديث متزايد عن صفقات وتسليح موجه لبعض أطراف الأزمة، بما في ذلك تزويد السعودية بمقاتلات عسكرية، ومثل هذه التحركات تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى الحياد، وتضعف من صورة الوسيط كطرف يقف على مسافة واحدة من الجميع.
وعلى النقيض يبرز النموذج المصري كوسيط راكم خبرة طويلة في إدارة الملفات الحساسة، مستنداً إلى قدر معتبر من الثقة لدى مختلف الأطراف، وهو ما يمنحه أفضلية واضحة في مثل هذه اللحظات المعقدة.
ولك أن تتخيل معي المشهد في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 7 أبريل 2026، بينما الجميع يحبس أنفاسه، سقطت القذائف الأخيرة على مضيق هرمز، ولقى الجميع نفسه أمام هدنة هشة جداً مدتها أسبوعين بس، بفضل وساطة مكثفة من باكستان وتركيا ومصر، الحقيقة يا صديقي، إن دي مش مجرد استراحة محارب أو وقف إطلاق نار مؤقت، بل اعتراف صريح من واشنطن وطهران إنهم وصلوا لحافة الهاوية، وأي خطوة متهورة هتفتح باب حرب إقليمية شاملة مفيش حد هيخرج منها فائز.
السؤال اللي بيدور في دماغنا كلنا:
هل دي بداية النهاية للأزمة، ولا فاصل إعلاني قصير قبل جولة قتال أعنف؟
الإجابة مش في نصوص الاتفاق، بل في إدارة هذين الأسبوعين كملف تفاوضي وأمني وسياسي معقد للغاية، في أدبيات إدارة الأزمات الدولية، الهدنة دي أداة كسر الزخم التصعيدي، بتستخدم لما الطرفين يوصلوا لتعادل سلبي، يعني الاستمرار في القتال بيكلف خسائر بشرية ومادية.
الهدنة دي حققت ثلاثة أهداف استراتيجية فورية أولاً، منع الانزلاق لحرب شاملة، فبعد أسبوع من تبادل صواريخ استهدفت قواعد أمريكية في الخليج ومنشآت نفطية إيرانية، حيث أصبح الخط بين الحرب المحدودة والإقليمية بقى رفيع زي الخيط، الهدنة جت صمام أمان عشان تبرد الأجواء وتمنع أي شرارة تشعل فتيل مواجهة واسعة تجر معاها إسرائيل وحزب الله والميليشيات في العراق واليمن، وساعتها السيطرة هتبقى مستحيلة.
ثانياً، خلق مساحة للعقلانية الاستراتيجية في خضم المعارك، حيث القيادات بتاخد قرارات انفعالية تحت ضغط الرأي العام والأحداث اللي بتسارع، فالأسبوعين دول فرصة لتبريد الأعصاب في واشنطن وطهران، وقراءة المعطيات بهدوء بعيد عن ضجيج الانفجارات.
ثالثاً، اختبار النوايا بلغة الأفعال الملموسة، بحيث إيران تلتزم بإعادة فتح مضيق هرمز فوراً، والولايات المتحدة توقف الضربات الجوية مقابل مفاوضات مباشرة في إسلام آباد، ده النموذج اللي بيبني ثقة حقيقية، مش كلام على ورق.
ورغم ذلك الهدنة لسه هشة ومهددة بالانهيار، خاصة مع تقارير خروقات محدودة وتصريحات متشددة بتنفخ في النار، ده بيعكس الفجوة الدائمة بين الاتفاق الدبلوماسي الشيك والالتزام الميداني، فمفاوضات إسلام آباد هتكون تحت سقف زمني خانق، بتحط المفاوضين أمام معادلة: إزاي يحققوا مكاسب استراتيجية في أسبوعين من غير تسرع أو جمود؟
الحكاية هنا بتعلمنا درسين في غاية الأهمية، الأول إن الهدنة دي مش مجرد هدوء، دي سلم، بيساعد الناس اللي طلعت فوق الشجرة تنزل بكرامتها، مخرج بيحفظ ماء الوجه للمتشددين عشان ياخدوا خطوة لورا من غير ما يحسوا بالهزيمة.
أما الدرس الثاني فهو ضرورة الهروب من فخ الاتفاق الشامل اللي مبيحصلش، لأن العقل بيقول إن ملفات تقيلة زي النووي أو أمن المنطقة مستحيل تخلص في أسبوع، وإن النجاح الحقيقي هو إننا نفكك الأزمة لقطع صغيرة، فنضمن الأول إن السلاح يسكت وبعدين نبدأ نتكلم في القضايا الكبيرة.
عشان كدة الأيام الجاية هي اللي هتقول لنا:
هل إحنا قدام بداية حقيقية للانفراجة، ولا الموضوع مجرد وقت مستقطع، الكل بيشحن فيه بطارياته قبل ما الصواريخ ترجع تتكلم من تاني؟


















0 تعليق