تُعد غزوة الخندق "الأحزاب" التي وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة، حَدَثًا هامًّا في تاريخ السيرة النبوية المطهرة؛ إذ لم تكن مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل كانت اختبارًا حقيقيًّا لصلابة الإيمان في قلوب المسلمين، وتمحيصًا للصف الداخلي من المنافقين؛ حيث اجتمعت في هذه الغزوة قوى الشرك من قريش وغطفان بتحريض من يهود بني النضير، بهدف استئصال شأفة الإسلام كليًّا.
تحزيب الأحزاب وبناء الخندق
كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس، وكان من حديث الخندق أن نَفَرًا من اليهود، منهم: سَلَّامُ بن أبي الحقيق النَّضْرِيُّ، وحُيَيُّ بن أخطب النَّضْرِيُّ، وكِنَانَةُ بن أبي الحقيق النَّضْرِيُّ، وهَوْذَةُ بن قيس الوَائِلِيُّ، وأبو عَمَّارٍ الوَائِلِيُّ، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حَزَّبُوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: "إنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ".
فقالت لهم قريش: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، إِنَّكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَالْعِلْمِ بِمَا أَصْبَحْنَا نَخْتَلِفُ فِيهِ نَحْنُ وَمُحَمَّدٌ، أَفَدِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُهُ؟" قالوا: "بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ"، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ...﴾ [النساء: ٥١]، -والجبت والطاغوت: كل ما يعبد من دون الله- ﴿...وَیَقُولُونَ لِلَّذِینَ كَفَرُوا۟ هَٰۤؤُلَاۤءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ سَبِیلًا * أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن یَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِیرًا * أَمۡ لَهُمۡ نَصِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذࣰا لَّا یُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِیرًا * أَمۡ یَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ فَقَدۡ ءَاتَیۡنَاۤ ءَالَ إِبۡرَٰهِیمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَیۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِیمࣰا﴾ [النساء: ٥١-٥٥].
تحريض اليهود لغطفان وخروج الأحزاب
فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، وخرجت غطفان بقيادة عُيَيْنَةُ بن حِصْنِ بن حُذَيْفَةَ بن بدر في بني فَزَارَةَ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المُرِّيُّ في بني مُرَّةَ، ومِسْعَرُ بن رُخَيْلَةَ بن نُوَيْرَةَ بن طَرِيفِ بن سُحْمَةَ بن عبد الله بن هلال بن خَلَاوَةَ بن أشجع بن رَيْثِ بن غطفان، فيمن تابعه من قومه من أشجع.
حفر الخندق: تضحيات المؤمنين وتخاذل المنافقين
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وما أجمعوا له من الأمر، جمع النّاسَ وأخبرهم خبَر عدوّهم وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بالخندق، فأعجب ذلك المسلمين وضرب رسول الله ﷺ الخندق على المدينة، وعمل فيه ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا.
وأبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّونَ -أي يستترون- بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبةً في الخير واحتسابًا له.
فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰۤ أَمۡرࣲ جَامِعࣲ لَّمۡ یَذۡهَبُوا۟ حَتَّىٰ یَسۡتَءۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَسۡتَءۡذِنُونَكَ أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَءۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [النور: ٦٢]، فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون بغير إذن من النبي ﷺ: ﴿لَّا تَجۡعَلُوا۟ دُعَاۤءَ ٱلرَّسُولِ بَیۡنَكُمۡ كَدُعَاۤءِ بَعۡضِكُم بَعۡضࣰاۚ قَدۡ یَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ یَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذࣰاۚ فَلۡیَحۡذَرِ ٱلَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦۤ أَن تُصِیبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ یُصِیبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمٌ﴾ [النور: ٦٣]، واللِّوَاذُ: الاستتار بالشيء عند الهرب، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في أشعار يوم أحد: وَقُرَيْشٌ تَفِرُّ مِنَّا لِوَاذًا … أَنْ يُقِيمُوا وَخَفَّ مِنْهَا الْحُلُومُ وقال تعالى: ﴿أَلَاۤ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ یَعۡلَمُ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ﴾ [النور: ٦٤] من صدق أو كذب، ﴿وَیَوۡمَ یُرۡجَعُونَ إِلَیۡهِ فَیُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمُۢ﴾ [النور: ٦٤].
ارتجاز المسلمين في الحفر لتخفيف العناء والتعب
وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه بِرَجُلٍ من المسلمين يقال له جُعَيْلٌ، سماه رسول الله ﷺ: «عَمْرًا»، فقالوا:
سَمَّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعَيْلٍ عَمْرًا … وَكَانَ لِلْبَائِسِ يَوْمًا ظَهْرًا
والظَّهْرُ: القوة والمعونة، فإذا مروا «بِعَمْرٍو» قال رسول الله ﷺ: «عَمْرًا»، وإذا مروا «بِظَهْرٍ» قال رسول الله ﷺ: «ظَهْرًا».
معجزات نبوية وبشائر في قلب المعاناة
وكان في حفر الخندق أحاديث فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله ﷺ وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون، فقد كان جابر بن عبد الله رضي الله عنه يحدث: أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كُدْيَةٌ، فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: "فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، لَانْهَالَتْ -أي تفتتت- حَتَّى عَادَتْ كَالْكَثِيبِ، لَا تَرُدُّ فَأْسًا وَلَا مِسْحَاةً".
وقالت أخت للنعمان بن بشير رضي الله عنه: "دعتني أمي عَمْرَةُ بنت رَوَاحَةَ، فأعطتني حَفْنَةً من تمر في ثوبي، ثم قالت: أَيْ بُنَيَّةُ، اذْهَبِي إِلَى أَبِيكِ وَخَالِكِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ بِغَدَائِهِمَا".
قالت: فأخذتها فانطلقت بها، فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: «تَعَالَيْ يَا بُنَيَّةُ، مَا هَذَا مَعَكِ؟» قالت: فقلت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا تَمْرٌ، بَعَثَتْنِي بِهِ أُمِّي إِلَى أَبِي بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ، وَخَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ يَتَغَدَّيَانِهِ". قال: «هَاتِيهِ». قالت: فصببته في كفي رسول الله ﷺ فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دَحَا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: «اصْرُخْ فِي أَهْلِ الْخَنْدَقِ: أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ»، فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: عملنا مع رسول الله ﷺ في الخندق، فكانت عندي شُوَيْهَةٌ غير جِدٍّ سمينة -أي غير كاملة السمن-، فقلت: "وَاللَّهِ لَوْ صَنَعْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ"، فأمرت امرأتي فطحنت لنا شَيْئًا من شعير فصنعت لنا منه خُبْزًا، وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله ﷺ، فلما أمسينا وأراد رسول الله ﷺ الانصراف عن الخندق -وكنا نعمل فيه نهارنا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا- قلت: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكَ شُوَيْهَةً كَانَتْ عِنْدَنَا، وَصَنَعْنَا مَعَهَا شَيْئًا مِنْ خُبْزِ هَذَا الشَّعِيرِ، فَأُحِبُّ أَنْ تَنْصَرَفَ مَعِي إِلَى مَنْزِلِي"، وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله ﷺ وحده، فلما أن قلت له ذلك قال: «نَعَمْ»، ثم أمر صَارِخًا فصرخ: «أَنِ انْصَرِفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ». قلت: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]! فأقبل رسول الله ﷺ وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناها إليه، فبرك وسمى الله، ثم أكل وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس، حتى صدر أهل الخندق عنها.
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليَّ صخرة، ورسول الله ﷺ قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول بُرْقَةٌ، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت تحته برقة أخرى. قلت: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ لَمَعَ تَحْتَ الْمِعْوَلِ وَأَنْتَ تَضْرِبُ؟" قال: «أَوَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ يَا سَلْمَانُ؟» قلت: "نَعَمْ". قال: «أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْيَمَنَ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيَّ بِهَا الْمَشْرِقَ»، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده: "افْتَتِحُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ، مَا افْتَتَحْتُمْ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَا تَفْتَتِحُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ مَفَاتِيحَهَا قَبْلَ ذَلِكَ".
وفي رواية عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ ... وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنَ الخَنْدَقِ، لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ، فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، فَقَالَ: «بِاسْمِ اللهِ»، فَضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ أُخْرَى، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا». ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ»، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».


















0 تعليق