المبادرة المصرية لشرق أوسط مستقر.
(... ولعل هذا ـ حسب فهمى ـ هو محور مبادرة مصر لانشاء "قوة دفاع عربى مشترك"...)
ـ حاولنا فى الحلقة الثانية الإجابة عن السؤال:
هل يُنتج الفراغ الاستراتيجى خصومًا جددًا او متجددين؟
وفى هذه الحلقة سنطرح سؤالًا، أرى أنه الأكثر عمقًا، او ربما هو الأكثر تعقيدًا، سنحاول الإجابة عنه قدر جهدنا المتواضع:
كيف نمنع الإقليم أصلًا من إنتاج هذه الدائرة، وكسر آلية إنتاج العدو نفسها؟
سؤال اجابته تفرض طرح اسئلة مكملة:
أولًا: لماذا لا يستقر الشرق الأوسط؟
فى أى نظام دولى مستقر، هناك ثلاث ركائز أساسية:
ا. توازن قوة واضح ومستقر.
ب. قواعد اشتباك مفهومة ومتفق عليها.
ج. مصالح اقتصادية متداخلة تجعل الصدام مكلفًا.
ـ وفى تقديرى، فهذه الركائز ـ فى الشرق الأوسط ـ إما ضعيفة، وإما غير مكتملة بشكل تام، والنتيجة أن أى تغيير فى ميزان القوة لا يتم امتصاصه بهدوء داخل النظام، بل يتحول إلى موجة صراع جديدة، والكويت والعراق فى حرب الخليج الأولى بعد اعلان انتصار العراق على ايران، مثال واضح على خصوصية ما يفرضه غياب التوازن فى الشرق الأوسط.
بمعنى أنه لا يحدث استقرار بعد التغيير، وانما يحدث تغيير يقود إلى صراع جديد.
ثانيًا: لماذا يتخصص الشرق الأوسط دائمًا فى انتاج التوترات بشكل مستمر متكرر؟!
تلخيص ذلك ـ فى تقديرى ـ قد يُعزى الى أربعة عوامل رئيسية:
1) عدم اكتمال توازن القوى
ـ فلا توجد قوة إقليمية قادرة على فرض استقرار شامل ودائم على الجميع، لذلك يدور الإقليم داخل حالة دائمة من صعود قُوى وانكماش أخرى، فى إطار ديناميكى شبيه بآلية "الإزاحة" داخل مراكز النفوذ، حيث لا يؤدى تراجع قوة ما إلى استقرار الفراغ، بل يؤدى إلى إعادة توزيع مستمرة للتموضع الاستراتيجى لقوى اخرى، مما يخلق فراغات متكررة فى مراكز التأثير، لا تُغلق بقدر ما تتحول إلى نقاط اشتعال جديدة.
2) تشابك الأمن بالممرات الحيوية
ـ لا ينظر العالم إلى الشرق الأوسط كمجرد مسرح سياسى، بل كمجموعة شرايين استراتيجية تمثل عصب الاقتصاد العالمى ـ كالممرات البحرية ومناطق الطاقة ـ وأى اضطراب في هذا العصب يستحيل أن يبقى محليًا، بل يتحول فورًا إلى قضية دولية تجذب تدخلات خارجية تعيد تشكيل الصراع بدلًا من حله.
ـ هنا، لا تُدار الأزمات بمنطق الاحتواء النهائى، بل بمنطق إبقاء التوازن هشًا قابلًا لإعادة التدوير عند الحاجة، بحيث لا يصل ابدًا إلى نقطة الحسم الكامل لصالح احد اطرافه، ولكن يعيد تعريف مصادر التهديد داخل الإقليم نفسه، فيجعل “العدو” ليس عنصرًا ثابتًا، بل موقعًا متحركًا يتنقل من نقطة الى أخرى داخل بنية الصراع نفسها.
3) ضعف المؤسسات الإقليمية
ـ عدم وجود إطار إقليمى داخلى ملزم ومستقر لإدارة صراعات الشرق الأوسط.
صحيح توجد "جامعة الدول العربية" التى تضم تجانسًا فى اللغة والدين والتقاليد الاجتماعية، على عكس الإتحاد الاوروبى مثلًا، إلا أنها لم تنجح منذ انشائها 1945 فى حل أى نزاع إقليمى، لأسباب كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها.
ـ اقصد أنه لا توجد مظلة أمن جماعى حقيقية، ولا آلية دائمة لتسوية النزاعات، ولا قواعد قابلة للتطبيق لاحتواء أى أزمة، لذلك تُترك إدارة الأزمات لدولٍ خارجية، تحرص على فرض الاستقرار الهشّ الذى يضمن مصالحها، وليس الاستقرار بمعناه الحقيقى.
4) تراكم الصراعات غير المحسومة
ـ هنا، نلاحظ أن ملفات الشرق الأوسط المزمنة لا تُغلق عادة الا بسقوط ـ أو إسقاط ـ قوة تخرج عن قواعد التوازن المطلوب او المفروض وتصعب اعادتها ـ كالعراق مثلًا ـ بل تُترَك ملفات الأزمات لتتراكم، عن عمد، ليس بسبب تعقيداتها، ولكن بسبب ارتباطها ببنية إقليمية ودولية تُعيد إنتاج التوازنات بدلًا من إنهائها، أى على طريقة "شىء لزوم الشىء".
ـ فالصراع الفلسطينى العربى الإسرائيلى، والتوترات بين إيران وجيرانها، وأزمات سوريا واليمن والعراق وليبيا والسودان، إلى جانب صعود حركات انفصالية، أو توترات مرتبطة بالهُوَّيات الفرعية، كذلك التنظيمات المتشددة المسلحة العابرة للحدود ـ التى توجه الصراع نحو الداخل وليس نحو عدو خارجى مشترك ـ وغيرها من ملفات، لا يعمل أى منها بشكل منفصل، بل ضمن شبكة تفاعلات متداخلة، تُنتِج حالة تراكم مستمر لتلك الصراعات غير المحسومة، داخل بنية إقليمية تميل طبيعتها القبلية إلى إعادة إنتاج الصراعات بكم أكبر من إنتاج حلول نهائية، وذلك ما يمنع الوصول إلى حالة استقرار نهائية مكتملة.
ثالثًا:
هل يمكن بناء نظام شرق أوسط يمنع إنتاج الأعداء؟
مشكلة الشرق الأوسط، فى تقديرى، ليست فى فكرة الصراع نفسها، بل فى غياب حدود اى صراع.
لذلك، فحل المشكلة يعتمد على إعادة تعريف منطق الإقليم نفسه، من خلال عدة محاور، اهمها فى رأيى:
المحور الأول:
ـ تغيير فلسفة الأمن الإقليمى بالتحول من منطق “تحديد العدو” إلى منطق “إدارة المخاطر” بما يفرضه من آليات ملزمة يحترمها الجميع، وقواعد مستقرة، ولو غير معلنة، تفرض الاتفاق على حدود واضحة لما لا يمكن تجاوزه.
المحور الثانى:
ـ زيادة الترابط الاقتصادى بين دول الإقليم ـ حسب مقومات كل دولة ـ زيادة كبيرة من شأنها رفع كلفة أى صراع على الجميع ومن ثم منعه، او انهائه، أو حتى الاتفاق عمليًا على تحجيمه.
ـ والاقتصاد هنا لا يلغى السياسة، وانما يفرض رشدها وحكمتها، ويُقيّد اندفاعها نحو مواجهات ستنعكس اضرارها على مصالح الجميع.
اقصد أن يصبح السؤال:
كيف نجعل الصدام تهديدًا، إن حدث فسيطال ضرره الجميع، وليس فقط طرفى الخصومة؟
لكن.. هل هذا ممكن فعليًا الآن او غدًا؟
ـ العائق الأساسى هنا ليس فقط نقص الثقة السياسية بين أطراف الاقليم بعضهم البعض، وانما أيضًا خصوصية نظم الحكم فى كل دولة من دول الإقليم، وطبيعة تركيبتها الديموجرافية، وثرواتها، وتحالفاتها الخارجية، وغير ذلك مما يؤدى الى غياب مشروع بنية إقليمية قوية جامعة قادرة على فرض قواعد مستقرة ملزمة، لا تخضع للاستقرار كما يفرضه الأجنبى.
فالإقليم، بوضعه الحالى، أقرب إلى شبكة توازنات منفصلة متقاطعة المصالح، تجعل أى محاولة للاستقرار عرضةً للانكسار عند أول اختبار جدِّى.
الشاهد..
ـ الشرق الأوسط لا يُنتج التوتر لأنه فقط مصمم للفوضى، بل ايضًا لأنه يفتقد الأدوات البنيوية التى تجعل الصراع قابلًا للاحتواء أو الإنهاء.
وفى ظل هذا الغياب، تُترك إدارة التوازنات لتدخلات خارجية، لا يعنبها إنهاء التوتر بقدر ما تعمل على ضبطه وإبقائه داخل حدود يمكن التحكم فيها بشكل يضمن مصالحها اولًا.
من هنا، لا يصبح الصراع مجرد خلل فى النظام، بل جزءًا من طريقة عمله، وآلية من آليات استمراره كما هو.
ولعل هذا ـ حسب فهمى ـ هو محور مبادرة مصر لانشاء "قوة دفاع عربى مشترك"، أى قوة تسمح ببناء نظام شرق أوسط جديد يمنع "إنتاج الأعداء" على أساس ما ذكرناه، وليس قوة عسكرية قوامها الجيش المصرى وأموال الخليج كما ظن البعض. ذلك بالتأكيد إن صحَّ تحليلى المتواضع.
ـ هنا نصل إلى السؤال التالى، وربما الأكثر حساسية فى السلسلة:
هل يمكن لدولة إقليمية شرق أوسطية واحدة ـ مصر أو السعودية أو تركيا أو إيران ـ أن تتحول من جزء من بنية الصراع، إلى عنصر تثبيت لبنية النظام الاقليمى، لتشكيل "شرق أوسط جديد" يضمن الاستقرار؟
هذا ما سنحاول مناقشته فى الحلقة القادمة، مع من راقت له المتابعة، فشرفنا بالقراءة، إن أراد الله تعالى وكان فى العمر بقية
ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.


















0 تعليق