ظاهرة المدمنين والمشردين أصبحت قنبلة موقوتة تهدد استقرار المجتمع المصري بشكل متسارع، فإذا لم يتم وضع حلول عاجلة، فإننا حتمًا سنواجه انفجارًا اجتماعيًا له تبعات وخيمة، وهذه الفئة من الناس أصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي، حيث ترتكب في الشوارع العامة كافة الموبقات دون أي شعور بالمسؤولية أو التبعات القانونية، فما بين السرقات والمشاجرات بالأسلحة البيضاء، مرورًا بالترويج للمخدرات واستغلالهم من قبل تجار هذه السموم، أصبحت الظاهرة متفشية بشكل ينذر بخطر داهم.
المؤلم أن المدمنين والمشردين لا يمثلون فقط فئات ضعيفة ضحية الظروف الاجتماعية، بل تمثل هذه الفئة وقودًا لتجار المخدرات الذين يستغلونهم في ترويج بضاعتهم المدمرة، والمدمنون يتحولون إلى أدوات تسويقية لبيع المخدرات في الأحياء الشعبية والشوارع العامة، ما يجعل هذا الترويج أكثر اتساعًا وانتشارًا.. للأسف، نجد أن أغلب هؤلاء المشردين مدمنين على المخدرات أو جزء من حلقة من القيم المدمرة في المجتمع، ما يهدد بخلق جيش من الضحايا الذين يتكاثرون في صمت.
عند الحديث عن هذه الظاهرة، ليس هناك ما هو أكثر فاعلية من تجارب الميدانية التي تتيح لنا رؤية الواقع على طبيعته. منذ أكثر من خمس سنوات، كان لي تجربة صحفية في مناطق مختلفة من بينها شريط السكة الحديد في دائرة بولاق الدكرور بالجيزة، وهو مكان يُعتبر من أكثر الأماكن التي يختبئ فيها المدمنون والمشردون..لم تكن هذه المغامرة الصحفية سريعة، بل استغرقت يومًا كاملًا في معايشة مكثفة مع هؤلاء الأفراد، وخلال تلك الفترة، اكتشفت عالمًا مظلمًا لا يمكن تصوره بسهولة. شاهدت ممارسات جنسية وحشية، مشاجرات بالأسلحة البيضاء، سرقات منظمة، واستغلال قاسي في الترويج للمخدرات، و الأسوأ من ذلك هو ولادات لأطفال نتيجة علاقات محرمة في الشوارع، وكان الأمر أكثر مأساوية من أن أصفه بالكلمات؛ كان مشهدًا بشريًا محطماً، يمثل التراخي الاجتماعي والاقتصادي والقصور الكبير في حماية حقوق الإنسان.
لحل هذه المشكلة المتفاقمة، يجب أن نبدأ بوضع حلول جذرية وعاجلة لا تقتصر على مساعدة هؤلاء الأفراد فحسب، بل تهدف أيضًا إلى حماية المجتمع من المزيد من الأخطار. أحد أهم الحلول هو إنشاء هيئة عامة تحت إشراف مجلس الوزراء تكون مهمتها الأساسية تجميع المشردين والمدمنين في معسكرات لإعادة تأهيلهم.
في هذه المعسكرات، يمكن تعليمهم الحرف والمهن التي تمكّنهم من كسب عيشهم بشكل مشروع، مما يساعدهم على الاندماج في المجتمع بشكل أكثر استدامة، ويمكن لهذه الهيئة أن تتكون من عدة وزارات ذات صلة مثل: وزارة التضامن الاجتماعي، وزارة الداخلية، وزارة الشباب والرياضة، وزارة الصناعة، وزارة التربية والتعليم، ووزارة الإعلام، بالإضافة إلى منظمات المجتمع المدني، والتنسيق بين هذه الجهات سيسهم في توفير التمويل والمساعدة اللازمة لتحقيق الهدف من هذه المعسكرات، كما يجب تخصيص خط ساخن للإبلاغ عن الحالات، لتوفير وسيلة فعالة وسريعة للتعامل مع هذه الظاهرة.
لا يمكن معالجة هذه الظاهرة الاجتماعية دون عمل على نشر الوعي بين المواطنين، و من الضروري أن تتبنى وزارة الدولة للإعلام برامج توعية لمحاربة انتشار الظاهرة، والحد من أسبابها الجذرية، مثل ارتفاع نسب الطلاق والتسرب من التعليم، وهذه الظواهر هي من العوامل الأساسية التي تؤدي إلى التشرد والإدمان، كما يجب على الإعلام أن يعمل على تنشيط الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية لمكافحة جرائم المخدرات، والتي تشكل قاعدة أساسية لتفشي هذه الظواهر.
كما يجب أن يكون هناك برامج توعية وإرشاد أسري، تعمل على تعزيز مفهوم الأسرة السليمة وتحمل المسؤولية تجاه الأفراد، سواء كان ذلك من خلال النصائح أو الحملات المجتمعية التي تستهدف توعية الأسر بأهمية الوقاية وحماية الأبناء، ومن الأهمية بمكان أن يتم تعديل التشريعات المعمول بها، بما في ذلك فرض قوانين تحدد هوية المشردين والمدمنين، خصوصًا أولئك الذين لا يحملون أرقامًا قومية، و على وزارة الداخلية اتخاذ الإجراءات اللازمة، مثل إجراء فحص جنائي وتصويرهم، ليتم تحديد هويتهم بشكل واضح، و بعد ذلك، يمكن تسليمهم إلى الهيئة المقترحة في البند الأول لإيداعهم في معسكرات إعادة التأهيل، وهذه الإجراءات لن تسهم فقط في حماية المجتمع من الجرائم، بل ستساعد في التعامل بشكل فعّال مع هؤلاء الأفراد.
ومن الضروري أن تبدأ وزارة التربية والتعليم بتضمين مواد توعية في المناهج المدرسية، لتعليم الطلاب عن أسباب التشرد والإدمان وكيفية الوقاية منها، ويجب أن يتعلم الجيل الجديد عن هذه الظواهر في وقت مبكر، ليكونوا أكثر وعيًا بمخاطرها، وبالتالي تقل فرص انزلاقهم في هذا الطريق المظلم.


















0 تعليق