الأربعاء 08/أبريل/2026 - 06:07 م 4/8/2026 6:07:33 PM
كثير منا يحتفظ بذكرياتٍ جميلة مع رموزٍ شكلت وجداننا، ومن بين هذه الذكريات تظل تجربتي مع الإعلامى الكبير فهمي عمر حفيد شيخ العرب همام واحدة من أبرز المحطات التي لا تُنسى. فمنذ الصغر، كنت من المعجبين بصوته المميز وبرامجه التى يلتف حولها الأسرة ، قبل أن تتحول هذه المشاعر إلى لقاءٍ مباشر عندما التحقت بالعمل في جريدة الوفد
و أتيحت لي الفرصة لإستخراج تذكرة المرور إلى "مدرسة الإعلام العربي " مبنى الإذاعة والتليفزيون ، تعرفت على “الخال” كما كان يُلقب في الأوساط الرياضية. ولم يكن هذا اللقب من فراغ، فهو أول من وضع أسس البرامج الرياضية في الإعلام المصري، وأول من قدم برنامجاً رياضياً بشكلٍ إحترافي، ليصبح رائداً حقيقياً في هذا المجال
منذ اللحظة الأولى، شعرت أنني أمام شخصية إستثنائية، تمتلك تقلداً إعلامياً وخبرة عميقة، فهو بحق “أستاذ الأساتذة”. كان إنساناً مجاملاً يقدر الصحفي ويحترم جهده. كانت إنسانيته تسبق مكانته، فقد كان دائم السؤال، لا يتردد في الإطمئنان إذا غبت، ويحرص على التواصل بشكلٍ يعكس أصالته
أتذكر جيداً أنني كنت أول من أجرى معه حواراً بعد عودته إلى القاهرة، عقب فترة ابتعاد بسبب وفاة نجله، وكان اللقاء مليئاً بالمشاعر الصادقة والإنسانية التي كشفت جانباً آخر من شخصيته، بعيداً عن الأضواء.
فهمى عمر حقق نجاحاً كبيراً في مسيرته، كإعلامي بارز، ورئيس للإذاعة وعضوٍ بمجلس الشعب. ورغم كل هذه المناصب، ظل محتفظاً بهويته الصعيدية الأصيلة، وبعلاقاته الإنسانية التي شملت الجميع دون استثناء، زملكاوياً أصيلاً ، لكنه ظل إعلامياً محايداً، يضع المهنية فوق الإنتماءات
وعندما دُعيت لحضور حفل تأبينه بماسبيرو ، لم أتردد لحظة واحدة. ذهبت لأجد تلاميذه الذين صاروا اليوم نجوماً في سماء الإعلام العربي، يقفون وفاءً لمن علمهم وأثر في مسيرتهم. هناك، أدركت أن الأثر الحقيقي للإنسان لا يُقاس بما حققه فقط، بل بما زرعه في الآخرين من قيمٍ وعلم وإنسانية.
لم تكن مجرد كلمات تُقال في حفل تأبين، بل كانت ملامح وجوه تنطق بالامتنان، وعيون تلمع بذكريات لا تُشترى. كل واحدٍ منهم كان يتحدث، وكأنه يستعيد جزءً من نفسه، من صاغه فهمي عمر بيده، بعلمه
ووقف الكاتب أحمد المسلماني رئيس للهيئة الوطنية للإعلام، فى حفل التأبين يتحدث بكل حب وامتنان لسيرة فهمى عمر ابن ماسبيرو وأحد أعمدة الإعلام المصرى والعربي . وكذلك الإعلامية الكبيرة سناء منصور،والاعلامية ومرفت فرج، والإذاعى محمد مرعي، والكاتب الصحفى مصطفى بكري… جميعهم تحدثوا بلغة واحدة، رغم اختلاف أساليبهم: لغة الوفاء.
كانت كلماتهم تمسح أي حزن، وتستبدله بفيضٍ من الحب والاعتزاز. تحدثوا عن مواقفه، عن دعمه، عن إنسانيته، وعن منارة حقيقية للإعلام حين كان هو على رأسها
وعرض خلال الحفل الفيلم التسجيلى ليعيد شريط العمرلمواقفه الوطنية، رحلته مع الإذاعة، حضوره الإنساني الذي لم يتغير رغم المناصب. لحظات جعلت الجميع يصمت، لا حزناً فقط، بل احتراماً لسيرةٍ تستحق أن تُروى مراراً.
هناك، بين الوجوه والكلمات والصور، لم يكن الغياب حاضراً بقدر ما كان الأثر حياً أدرك الجميع أن المعلم الحقيقي لا يرحل، بل يبقى في تلاميذ بطريقتهم، وأصواتهم، و كل نجاح يحققونه.
وعندما نظرت إلى تلاميذة وجد فهمي عمر بينهم، حاضراً كما لو أنه لم يغِب أبداً.


















0 تعليق