فى باب «كتاب ذوو همم» ضمن سلسلة «أقلام على الطريق»، نحن لا نقف أمام حكاية عابرة، بل أمام قلب تعلم أن يضىء نفسه بنفسه. هناك أناس يفقدون أشياء كثيرة فى الحياة، لكن القليل فقط هم من يحولون هذا الفقد إلى معنى… إلى رسالة… إلى نور يُهتدى به. تهانى منصور كاتبة ومقدمة برامج إذاعية، وهى واحدة من هؤلاء. حين فقدت بصرها فى عمرٍ صغير، لم تنطفئ، بل بدأت ترى بشكلٍ آخر؛ ترى بقلبها، بإحساسها، وبإيمانها العميق أن الله لا يأخذ شيئاً إلا ليمنحنا ما هو أعمق وأبقى. فى كلماتها وجع صادق، لكنه لا يكسر، بل يُرمم. وفى صوتها حكاية إنسان لم يستسلم لفكرة العجز، بل أعاد تعريفها بطريقته الخاصة. لم تنتظر أن يُفتح لها الطريق، بل شقته بحروفها، وبإصرارها، وبكل تلك اللحظات التى اختارت فيها أن تؤمن بنفسها رغم كل شىء. هذا الحوار ليس فقط مع كاتبة ناشئة، بل مع روح قررت أن تحيا بصدق، وأن تترك أثراً… لتقول لنا جميعاً: «ربما لا نملك كل ما نريد، لكننا نملك دائماً القدرة لنكون أكثر مما نتخيل».
*كيف بدأتِ رحلتك مع الكتابة؟ وما الذى ألهمك للبدء؟
- بدأت الكتابة فى غرفة صغيرة بمصباح خافت، حيث كانت الورقة والقلم صديقى الأول. كنت أكتب خواطر بسيطة لأفهم نفسى، لأهدأ، لأستوعب كل المشاعر التى تراودنى. أتذكر لحظة جلوسى أمام الورقة الأولى، شعرت كما لو أن الكلمات تنبض بحياتى، وكأنها تهمس لي: «استمرى، لديك ما تقولينه». مع مرور الوقت، ومع تشجيع من حولى، تحولت الكتابة إلى رسالة أمل، وأصبحت وسيلتى للتواصل مع العالم، لأصل إلى قلب كل من يشعر بالعجز أو بالخوف.
* كيف أثر فقدان البصر على تجربتك الإبداعية؟
- فقدان البصر كان تحدياً كبيراً، لكنه أتاح لى رؤية الأمور بعمق مختلف. كنت أستمع لأصوات المدينة، لحفيف الأشجار، لتغريد العصافير، وحتى لصمت الليل، وكل ذلك أصبح مادة لإلهام خواطرى. أتذكر مرة وأنا أجلس فى شارع هادئ، شعرت بأن كل ما حولى له وقع فى قلبى، وفكرت فى كل التفاصيل الصغيرة التى يراها الآخرون، لكننى أراها شعوراً وحركة وصوتاً. هذا جعل الكتابة بالنسبة لى ليست مجرد كلمات، بل تجربة حسية كاملة تصل إلى القارئ بكل معانيها.
* شاركتِ فى عدة كتب جماعية وإلكترونية، كيف ساعدتك هذه التجارب على تطوير أسلوبك؟
- المشاركة فى كتب مثل صدى الأفكار ومتاهة عقل وصراع الروح، وأيضاً الكتب الإلكترونية مثل خفقات من الماضى وتحت سطوة الملذات، أعطتنى فرصة لاكتشاف أساليب جديدة، وتعلم كيفية صياغة الأفكار لتصل بوضوح. لكن الأهم أنها أكدت لى أن لكل كاتب صوتاً فريداً، وأن الكتابة الجماعية جميلة، لكنها لا تمنحك الحرية المطلقة لتعبير شخصى كامل. ولهذا كانت خطوة إصدار كتابى الفردى وشوشة قلب نقطة تحول، لأنه جمع خواطرى كاملة وصادقة، وكأن كل صفحة منه تعكس نبض قلبى.
* وما الذى يميز كتاب «وشوشة قلب» عن أعمالك السابقة؟
- الكتاب ليس مجرد مجموعة خواطر، بل رحلة شعورية كاملة؛ أثناء الحديث، تتذكر «تهانى» مشهداً وهى تكتب بصوت منخفض: «كنت أراقب حركة الناس من حولى، وأستمع لهمس البشر، وكل مشهد كنت أترجمه فوراً إلى كلمات». معظم الخواطر نابعة من التجربة الشخصية. العنوان ذاته يعكس طبيعة الكتاب؛ همسات قلبية تصل إلى القارئ مباشرة، بأسلوب بسيط ومباشر، بعيداً عن التعقيد، ليعيش القارئ المشاعر بصدق وعمق.
* ما الرسالة التى تودين إيصالها لكل من يقرأ لكِ؟
- رسالتى واضحة؛ اسع وراء أحلامك، اجتهد، ولا تدع المحبطين يوقفونك. أتذكر موقفاً أثناء تقديم إحدى حلقات برنامجى الإذاعى الذى أقدمه فى مدينتى القليوبية، حيث شعرت بالخوف قبل بدء البث المباشر. لكن؛ لحظة الصعود إلى الميكروفون، قلت لنفسي: «أنت هنا لأنك تستطيعين، كل شىء ممكن»، وعندها خرجت الكلمات سلسة وهادئة. كل خطوة مهما كانت صغيرة لها قيمتها، وما دام هناك أمل، كل شىء ممكن. الكتابة والإعلام ليسا مجرد هواية بالنسبة لى، بل رسالة أعيش من أجلها، وأطمح لأن ألهم أكبر عدد ممكن من الناس، ليعلموا أن الإرادة تصنع المعجزات أحياناً أكثر مما نتخيل.


















0 تعليق