دعوني أصارحكم القول بعيداً عن لغة الأرقام وجداول البيانات الجافة نحن نعيش في لحظة تاريخية فارقة، لحظة لم يعد فيها مكان لأنصاف الحلول أو الرهانات الخاسرة على استقرار ممرات دولية باتت تشتعل فيها النيران كل صباح، فحين أنظر إلى الخريطة اليوم وأرى كيف تتحول الطاقة من مجرد وقود للمصانع إلى سلاح يهدد وجود الدول، أدرك تماماً لماذا كان علينا أن نلتفت غرباً نحو ليبيا وبقوة، فإنها ليست مجرد صفقة تجارية، بل هي رحلة بحث عن طوق نجاة في بحر إقليمي هائج، وما يهمني هنا وما أود أن تشاركوني التفكير فيه، هو أن أمننا القومي لم يعد مجرد حدود نحميها بالسلاح، بل هو إرادة نحميها بتعدد البدائل، وإن تحركنا نحو العمق الليبي هو اعتراف صريح بأننا لن نسمح لأحد أياً كان، بأن يضع يده على مفتاح الكهرباء في بيوتنا أو شريان الحياة في مصانعنا، فالدولة التي تملك مفاتيح طاقتها هي وحدها التي تملك قرارها السيادي في زمن لا يعترف إلا بالأقوياء ومن يملكون البديل.
فما نراه اليوم من تصعيد عسكري بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، لم يعد مجرد مناوشات عابرة بل دخلنا فعلياً منطقة الخطر بضرب إيران تحت الحزام واستهدافها المباشر لمحطات التحلية ومصافي النفط في الخليج. حين تشتعل النيران في مصفاة الأحمدي الكويتية، وتطال المسيرات مرافق حيوية في السعودية وقطر والبحرين، فنحن لا نتحدث عن ردود فعل عسكرية محدودة، بل أمام تحول مخيف يجعل من البنية التحتية رهينة في صراع وجودي.
المفارقة هنا أن طهران وبذريعة الرد على قصف محطة قشم، اختارت أن تضرب شريان الحياة الذي يعتمد عليه ملايين البشر بنسبة 90% لتأمين قطرة الماء، هذا التوجه لا يعكس فقط حالة من التخبط أو اليأس الاستراتيجي، بل يكشف عن مقامرة كارثية تضع أمن المنطقة كلها على كف عفريت، وتحول المياه والتي هي أبسط حقوق الإنسان إلى ورقة ضغط في معادلة صفرية، سيدفع ثمنها المواطن البسيط قبل أي نظام.
وهنا يكمن جوهر المعادلة فالطاقة هي السلاح الاستراتيجي وفي زمن الحرب لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، بل تحولت إلى شريان بقاء حاسم للأمن القومي، إذ إن أي اضطراب في إمدادات النفط أو الغاز لا ينعكس فقط على الأحمال الكهربائية أو النشاط الصناعي، بل يمتد ليطال استقرار الدولة الداخلي، وقدرتها على تشغيل بنيتها التحتية الحيوية، بل وتمويل التزاماتها الدفاعية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، ومن ثم فإن تأمين مصدر طاقة مستقر نسبياً مثل ليبيا يتحول إلى قرار سيادي لحماية القدرة على الصمود الاستراتيجي.
هذا السلوك لا يأتي من فراغ بل يندرج ضمن نمط دولي متكرر اعتمدت فيه الدول على المسارات البديلة، كلما تحولت الممرات التقليدية إلى نقاط اختناق، ففي أعقاب أزمة الطاقة عام 2022، اضطرت ألمانيا إلى كسر اعتمادها على الغاز الروسي عبر مشروع نورد ستريم، والاتجاه سريعاً نحو الغاز الطبيعي المسال، من خلال إنشاء محطات عائمة مكّنتها من استقبال الإمدادات البحرية خلال فترة زمنية قياسية، وهو ما يعكس منطق البحث عن حلول فورية خارج الأطر التقليدية، وبالمنطق ذاته حيث سعت الإمارات العربية المتحدة مبكراً إلى تقليل اعتمادها على مضيق هرمز عبر إنشاء خط أنابيب حبشان–الفجيرة لنقل النفط مباشرة إلى بحر عمان خارج نطاق التهديد، في تجسيد واضح لفكرة نقل مركز الثقل الطاقوي إلى مناطق أكثر أماناً، وكما اعتمدت تركيا على أذربيجان عبر خط تاناب (TANAP) كبديل استراتيجي يخفف من ضغوط الإمدادات القادمة من إيران، بينما اضطر العالم خلال إغلاق قناة السويس إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح كمسار أطول لكنه أكثر أماناً لضمان استمرارية تدفقات الطاقة.
وفي الإطار المصري يتجسد هذا التوجه عبر مسارين متكاملين، الأول مسار عاجل يعتمد على مرونة ناقلات الغاز الطبيعي المسال (LNG) بين الموانئ الليبية ومحطات الإسالة المصرية في دمياط وإدكو، مستفيداً من الجاهزية القائمة للبنية التحتية، بما يوفر استجابة فورية للأزمة، أما المسار الثاني فيتمثل في مشروع استراتيجي طويل المدى لمد خط أنابيب مباشر، لا يزال في مراحل الدراسة، ويرتبط تنفيذه بتحديات أمنية وفنية، خاصة في الجنوب الليبي، إلى جانب تعقيدات التمويل والربط الإقليمي.
وأن ما تقوم به مصر اليوم يعكس تطبيقاً عملياً لمفهوم تعدد المسارات السيادية، حيث لا يُترك أمن الدولة رهينة لمسار واحد قابل للتعطيل، فإن التوجه نحو ليبيا لم يعد مجرد استجابة ظرفية، بل تحول إلى ركيزة أساسية في عقيدة الأمن القومي، تهدف إلى تحصين الدولة من شلل الإمدادات، والحفاظ على قدرتها على المناورة الاستراتيجية في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية احتقاناً وتعقيداً.


















0 تعليق