يفرض مضيق هرمز نفسه اليوم باعتباره الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، فى لحظة تكشف ليس فقط عن هشاشة النظام النفطى العالمى، بل أيضا عن ثغرة استراتيجية عمياء داخل واشنطن. فبينما تستعيد بعض المفاهيم العسكرية الكلاسيكية حضورها، يبدو أن صناع القرار الأمريكيين لم يستوعبوا بعد الدرس الأهم وهو أن السيطرة على نقطة الثقل هى ما يحدد مصير الحروب، وليس حجم القوة المستخدمة خارجها بحسب تحليل نشرته ذا ناشونال.
كل يوم يمر دون عودة الملاحة الطبيعية عبر المضيق يفاقم أزمة الاقتصاد العالمى. فعلى الرغم من وجود بدائل مثل خطوط الأنابيب والسحب من الاحتياطات الاستراتيجية، لا يزال السوق يواجه نقصا يتجاوز 10 ملايين برميل يوميا مقارنة بمستويات ما قبل الحرب التى بلغت 100 مليون برميل. الناقلات التى غادرت الخليج قبل اندلاع القتال بدأت تصل بالفعل إلى وجهاتها فى شرق اسيا وأوروبا، لكن مع انتهاء هذه الشحنات، يلوح خطر توقف التدفق تماما.
من الناحية العسكرية، لم يكن مضيق هرمز مفاجأة للولايات المتحدة. فقد ظل لعقود محور تخطيط استراتيجى، مع افتراض دائم بأن ايران قد تسعى لاغلاقه، مقابل ثقة أمريكية بقدرتها على اعادة فتحه خلال اسابيع. لكن الواقع الحالى يكشف عن فجوة بين التوقعات والقدرات. فتهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ والالغام، إلى جانب تردد شركات الشحن، وعدم الجاهزية الكاملة، كلها عوامل حالت دون تنفيذ عملية اعادة فتح فعالة حتى بعد مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب.
العمليات البحرية المطلوبة ليست سهلة. إزالة الالغام تعد من أكثر المهام تعقيدا وخطورة، كما ان مرافقة ناقلات النفط عبر ممرات ضيقة تشكل عبئا هائلا على القوات البحرية. هذه السفن المدنية الضخمة المحملة بمواد قابلة للاشتعال تحتاج إلى حماية مستمرة، ما يعنى شل جزء كبير من الاسطول الأمريكى لشهور، هذا إذا وافق اصحاب السفن والاطقم اصلا على المخاطرة.
ويشير التحليل إلى إمكانية الولايات المتحدة ان تدمر البنية التحتية داخل ايران، من جسور ومراكز، لكن دون السيطرة على مضيق هرمز، ستظل هذه الانتصارات بلا قيمة استراتيجية. فالمعركة الحقيقية ليست داخل الاراضى الايرانية، بل فى هذا الممر البحرى الضيق.
ومع تصاعد الضغوط، بدأت القوات الأمريكية، بما فى ذلك المارينز والقوات المحمولة جوا، بالتحرك نحو الخليج. غير ان هناك مخاوف من الانزلاق نحو ما وصفه المؤرخ البريطانى ايه جيه بى تايلور بـ«استراتيجية عقب السيجار»، فى إشارة إلى قرارات عسكرية مرتجلة تشبه ما حدث فى حملة غاليبولى خلال الحرب العالمية الاولى، حين كان ونستون تشرشل يشير إلى الخريطة بسيجار قائلا: لنذهب إلى هنا.
السيناريوهات المحتملة متعددة، لكنها جميعا محفوفة بالمخاطر. قد تحاول القوات الأمريكية السيطرة على جزيرة خارك، مركز صادرات النفط الايرانية، أو تنفيذ عمليات داخل العمق الايرانى للاستيلاء على اليورانيوم المخصب، أو حتى اتخاذ ميناء تشابهار قاعدة عسكرية. لكن أيا من هذه الخيارات لا يعالج المشكلة الجوهرية الخاصة ب اعادة فتح مضيق هرمز.
خيار آخر يتمثل فى استعادة السيطرة على الجزر الثلاث المتنازع عليها بين ايران والامارات منذ 1971، وهى ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى. هذه الجزر تقع بالقرب من المضيق وتشكل نقاط مراقبة استراتيجية. كما تبرز جزيرة قشم، الأكبر حجما والأكثر ارتفاعا، كهدف محتمل يمنح سيطرة اوسع على الممر البحرى.
لكن هذه الخيارات ليست سهلة التنفيذ. فجزيرة قشم تضم نحو 180 ألف نسمة، وطبيعتها الجغرافية تجعل السيطرة عليها عملية معقدة. كما ان الجزر الاصغر عرضة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة الايرانية، ما يزيد من كلفة اى عملية عسكرية.
فى المقابل، لا تقف ايران مكتوفة الايدى. فمن خلال دعم غير مباشر من روسيا والصين، تعمل على تطوير قدراتها فى استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، بما فى ذلك المسيرات البحرية التى اثبتت فعاليتها فى الحرب الاوكرانية. ومع أن الولايات المتحدة وحلفاءها فى الخليج يطورون بدورهم تقنيات مضادة، إلا أن سوق النفط لا يحتمل صراعا طويلا من الكر والفر.
استراتيجيا، لا يمكن لدول الخليج القبول بسيطرة ايران على المضيق، اذ سيمنحها ذلك نفوذا هائلا داخل اوبك وقدرة على التحكم فى صادرات النفط العالمية. كما ان القوى الكبرى، من الولايات المتحدة إلى اوروبا والهند واليابان وحتى الصين، لن تقبل بواقع تتحكم فيه ايران بمفاصل الطاقة العالمية.
5 سيناريوهات محفوفة بالمخاطر.. «هرمز».. نقطة الحسم
5 سيناريوهات محفوفة بالمخاطر.. «هرمز».. نقطة الحسم


















0 تعليق