رسالة من ميت

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الإثنين 06/أبريل/2026 - 09:50 م 4/6/2026 9:50:56 PM

ما أبشع تلك الصورة التى ترى فيها روحاً معلقة على سور حديدى، يتدلى منها اليأس المُخبأ فى سراديب جلباب أبيض، لحظات من ظلمة فاقت عتمتها كل الظروف والضغوط التى استباحت أن تنهش قلوباً طيبة وأجساداً هشة؛ فأجبرتها أن تركع لسلطان اليأس ورفع راية الاستسلام للموت دون مقاومة أو ترك رسالة عتاب. لم يكن خبر العثور على جثة سائق مسن مشنوق على سور مركز طبى فى دمياط مجرد خبر تقرؤه فتنساه، ولم يكن قراراً عابراً ترفضه ثم تعتاده ثم تألفه فى انتظار آخر، إنه شهادة عار على رؤوس الأحياء.
ولأن الأموات لا ينطقون، سرحت بخيالى متسائلًا ماذا لو ترك لنا هذا الرجل رسالة، فماذا سيكتب ولمن يكتب؟ وكيف قاست أنفاسه الأخيرة مرارة الختام؟ فكانت الإجابة تلك الرسالة:  
إلى كل مسئول فى هذا البلد..
تحية طيبة من رجل طيب..
لا أكتب إليكم طمعاً فى أن تفعلوا لى شيئاً، فلم أعد أريد شيئاً، ولم أكتب إليكم تلك الكلمات لأكون فى أولويات جدول أعمالكم، فأعلم يقيناً أن وزنى لا يتجاوز مثقال شهادتى الميلاد والوفاة، وما بين الشهادتين مشوار مررت به قبل أن تأتوا وحين أتيتم، حياة امتزجت فيها لحظات الأمل باليأس، والفرح بالحزن، والقوة بالضعف، وبعد أن تجاوزت العقد السادس من عمرى وصار الكلام همساً ثم صمتاً، أذعنت لسُّنة الحياة راضياً، مؤمناً بأن إشارات النهاية قد لاحت على استحياء، وبات الهروب من أجراس الإنذار مجرد حلاوة روح.
فى هذا العمر تكالبت علىَّ الظروف، واستأسدت الحوائج والمواجع، فوهن العظم ثم ازداد وهناً بعد إصابة ساقى، فصارت مثل بصرى، وصرت فى حاجة إلى من أتكئ عليه، ورغم ذلك أنا «ابن بلد» لا أسمح ليدى بأن تمتد لقريب أوغريب؛ فقاومت قوانين الطبيعة التى لا تقاوم، وذهبت لأكمل مسيرة حياتى باحثاً عن لقمة العيش الحلال، ولكن يبدو أننى أسأت الفهم والتقدير، وصدقت الأوراق وصرخت التقارير الطبية فى وجهى بالحقيقة المُرة بأن مثلى لا يمكن تجديد رخصة قيادة له، وحالت حالتى بينى وبين البحث عن عمل آخر.
حدثتنى نفسى بأن أقوم بتغيير مسارى من المعافرة فى الحياة إلى الاقتناع بأن وقت الراحة ولو قليلاً قبل الرحيل قد آن، فلم يعد فى العمر الكثير، واستمعت لنصيحة البعض بأن أشرع فى إجراءات الحصول على معاش يضمن الحد الأدنى من الكفاف لرجل فى العقد السابع من العمر، لا أقول لسيادتكم سعيت طمعاً فى توفير علاج مجانى وغذاء مجانى ومكان يكسوه الهدوء وسبل الراحة أُبحر فيه مع ذكريات قد ولَّت، فقط كنت أريد معاشاً أقتات منه حاجات يومى، يغنينى رغم ضآلته عن السؤال، ويشبع رغبتى لأظل كما كنت فى ظِلال باب من الرزق يسترنى ويحفظ كرامتى.
ورغم إيمانى بأن هذا المعاش حق لى وحق عليكم، فيبدو أننى أسأت الفهم والتقدير مرة أخرى، فقد تلكأت الإجراءات وأبت أن تلبى مبتغاى الأخير، وأضحت أنفاسى شهيقها موجع وزفيرها مؤلم، لكن لن أيأس وسوف أذهب اليوم الخميس الموافق الثانى من أبريل 2026 محاولاً استجداء تلك الإجراءات أن تلين وتعلن تعاطفها معى.
فى النهاية: لا أعتذر لكم عن تلك الإطالة، فربما تكون تلك الكلمات آخر ما أكتب وآخر ما قد يطرأ على بالكم أن تقرأوه، فكان الله فى عونكم وعون كل من يفكر فى تجاوز ما يجرى حولنا من أحداث وتدبير سبل الخروج منها بسلام، فقط أعتذر لكم عن رداءة خطى بسبب رعشة القلم بين أصابعى.
ملحوظة أخيرة:  سأحتفظ بتلك الرسالة بين ضلوعى فلن يقرأها سواى، لكن ربما يراها الجميع.
.. والسلام ختام.

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق