قالت دار الإفتاء المصرية، إن شراء السيارة بالتقسيط بثمن إجمالي محدد ومدة سداد معلومة قد تم الاتفاق عليهما بشكل تام في مجلس العقد -هو معاملة جائزة شرعًا وتقع صحيحة، ولا تدخل في النهي عن "بيعتين في بيعة"؛ لأن المشتري قد اختار ثمن التقسيط وجرى العقد عليه قبل التفرق، ولم يشترط البائع عليه أن يبيعه شيئًا أو يقرضه مالًا لإتمام البيع له.
بيان أن الأصل في البيوع الحل
أوضحت الإفتاء، أن من المقرر شرعًا أنَّ الأصلَ في البيوع الحِلُّ ما دامت برضا المتبايِعَيْنِ، ما لم يُخَصَّ نوعٌ معيَّنٌ بنَهْيٍ شرعي، أو اشتمل البيعُ على جهالةٍ أو غشٍّ أو غررٍ أو ضررٍ أو نحو ذلك؛ أخذًا بعموم قولِ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].
وقد "أجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة"، كما قال الإمام الموفَّق ابن قُدَامَة في "المغني".
حكم البيع بالتقسيط وحكم الزيادة في الثمن في مقابلة الأجل
قد اتفق جماهير الفقهاء على أنه يصحُّ شرعًا البيعُ بثمنٍ حالٍّ معلومٍ، وكذا بثمن مؤجَّلٍ في الذمة معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ.
قال الإمام ابن حَزْم في "مراتب الإجماع": [واتفقوا أن الابْتِيَاعَ بدنانير أو دراهم حالَّة، أو في الذمة غير مقبوضة، أو بهما، إلى أجلٍ محدودٍ بالأيام أو بالأَهِلَّة أو الساعات أو الأعوام القمرية -جائزٌ].
والزيادة المعلومة في ثمن المَبيع نظير الأجل المعلوم لسداد هذا الثمن جائزةٌ شرعًا؛ لأنها من قبيل المُرابَحَة، وهي نوعٌ من أنواع البُيُوع التي يُباحُ فيها اشتراطُ الزيادة في الثمن في مقابلة الأجل؛ لأن الأجل في نفسه وإن لم يكن مالًا حقيقةً، إلا أنه في باب المُرابَحَة يُزاد في الثمن لأجله إذا ذُكِر الأجل المعلوم في مقابلة زيادة الثمن قصدًا؛ لأن للأجل في البيع شبهةَ المبيع وإن لم يكن مبيعًا حقيقةً؛ لأنه مرغوبٌ فيه، سواء من قِبَل بائِع الشيء أو مشتريه، فكان له شبهةٌ أن يقابله شيءٌ من الثمن، بخلاف ما لو لم يشترط زيادة الثمن بمقابلته قصدًا؛ لأنه حينئذٍ لا يقابله شيءٌ حقيقةً. ينظر: "بدائع الصنائع" للعلامة الكَاسَانِي، و"البحر الرائق"، و"الذخيرة" للإمام القَرَافِي، و"مغني المحتاج" للعلامة الخطيب الشِّرْبِينِي، و"المبدع" للعلامة ابن مُفْلِح.
مدى دخول عقد المرابحة في النهي عن بيعتين في بيعة
لا تُعَدُّ هذه المعاملة من قبيل ما جاء عن أبي هريرة قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ". أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان. وذلك لأنَّ المراد بالبيعتين في بيعة أحد أمرين:
الأول: أن يبيع الرجل غيره السلعة بكذا نقدًا أو بكذا نسيئة ثم يفترقان دون تحديد، فمنع منه لجهالة الثمن.
الثاني: أن يبيعه بشرط أن يبيعه المشتري شيئًا أو يُقْرَضه مالًا، وقد منع ذلك؛ لأنَّ انضمام الشرط إلى البيع يبقى عُلْقَة بعد البيع فقد يثور بسببها منازعة بين المتبايعين.
قال الإمام الجصاص في "شرح مختصر الطحاوي": [مسألة: [البيعتين في بيعة] قال: (ومن باع عبده من رجلٍ بثمن، على أن يبيعه الآخر عبده بثمنٍ ذَكَراه: لم يجز البيع في واحد من بيعتي العبدين المذكورين)؛ وذلك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، فانتظم ذلك المعنى الذي ذكرنا، وينتظم أيضًا أن يبيعه حالًّا بكذا، ونسيئة بكذا].
وقال العلامة الدردير في "الشرح الكبير": [(وكبيعتين) جعلها بيعتين باعتبار تبدد المثمن في السلعتين والثمن في السلعة الواحدة (في بيعة) أي عقد واحد، وفسر ذلك بقوله: (يبيعها بإلزام بعشرة نقدا أو أكثر لأجل) ويختار بعد ذلك، فإن وقع لا على الإلزام وقال المشتري: اشتريت بكذا: فلا منع].
وقال الإمام الشافعي في "الأم: [وإذا تبايع الرجلان بيعتين في بيعة فالبيعتان جميعا مفسوختان بما انعقدت. وهو أن يقول: أبيعك على أن تبيعني؛ لأنه إنما انعقدت العقدة على أن ملك كل واحد منهما عن صاحبه شيئا ليس في ملكه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ومنه أن أقول: سلعتي هذه لك بعشرة نقدا، أو بخمسة عشر إلى أجل، فقد وجب عليه بأحد الثمنين لأن البيع لم ينعقد بشيء معلوم].
وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج": [(و) الثامن منها النهي (عن بيعتين في بيعة) رواه الترمذي وصححه (بأن يقول: بعتك) هذا (بألف نقدا أو ألفين إلى سنة) فخذ بأيهما شئت أنت أو شئت أنا، وهو باطل للجهالة (أو بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا) أو تشتري داري مني بكذا، (و) عدم الصحة للنهي (عن بيع وشرط). رواه عبد الحق في "أحكامه"، وذلك (كبيع بشرط بيع) كما تقدم، (أو) بشرط (قرض) كأن يبيعه عبده بألف بشرط أن يقرضه مائة، والمعنى في ذلك أنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمنا.
واشتراط العقد الثاني فاسد، فبطل بعض الثمن وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي فبطل العقد، ولو عقد البيع الثاني لم يصح إن جهلا أو أحدهما بطلان الأول لأنهما أثبتاه على حكم الشرط الفاسد، فإن علما فساد الأول صح، وسبب فساد الشرط كما قاله الغزالي أنَّ انضمام الشرط إلى البيع يبقى علقة بعد البيع يثور بسببها منازعة بين المتبايعين، فبطل: أعني الشرط إلا ما استثني لمعنى كما سيأتي].
وقال العلامة البهوتي في "شرح منتهى الإرادات": [(ولا) يصح البيع (بعشرة صحاحا أو إحدى عشرة مكسرة ولا) البيع (بعشرة نقدا أو عشرين نسيئة)؛ «لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة»، وفسَّره مالك وإسحاق والثوري وغيرهم بذلك؛ ولأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولجهالة الثمن (إلا إن تفرقا) أي المتعاقدان (فيهما) أي الصورتين (على أحدهما) أي أحد الثمنين في الكل، فيصح لزوال المانع].
أما إذا حَسَم المشتري أمره واختار أحد السعرين قبل أن يفترقا، ولم يكن ثمة اشتراط من البائع نظير البيع: فإن العقد يقع صحيحًا لا محذور فيه شرعًا؛ وذلك لأن الجهالة قد انتفت، فالمبيع معلوم والثمن قد تحدد، وما جرى ليس إلا بيعة واحدة انعقدت بعد تخيير، فلا يصدق عليها وصف "بيعتين في بيعة"، وإنما هي بيعة واحدة عرضت على المشتري بأحد الثمنين فاختار أحدهما.
قال العلامة الخَطَّابي في "معالم السنن": [وحكي عن طاوس أنه قال: لا بأس أن يقول له: بعتك هذا الثوب نقدًا بعشرة وإلى شهر بخمسة عشر فيذهب به إلى أحدهما. وقال الحكم وحماد: لا بأس به ما لم يفترقا، وقال الأوزاعي: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يُباته بأحد المعنيين، فقيل له: فإنه ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين، فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين... هذا ما لا يشك في فساده، فأما إذا باته على أحد الأمرين في مجلس العقد فهو صحيح لا خلف فيه، وذكر ما سواه لغو لا اعتبار به].


















0 تعليق