ضميرمستتر

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

الشرق الأوسط.. صراع يصنع الاستقرار!.. (2/7)

علاء حمدى شوالى

 

          الشرق الأوسط، بين الفراغ والامتلاء

(... ولعل هذا ما قد يفسر ـ جزئيًا ـ حرص الولايات المتحدة على بقاء إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة داخل الإقليم...)

 

ـ هل يمكن وجود “فراغ استراتيجى” فى الشرق الأوسط دون أن يُملأ بخصم جديد؟ أم أن بنية النظام الإقليمى نفسه تعيد إنتاج التوتر بشكل تلقائى كلما حدث انهيار فى مركز قوة أو توازن؟

الإجابة عن هذه الإشكالية تحتاج الى المزيد من الاسئلة:

 

أولًا: ما المقصود بالفراغ الاستراتيجى؟

ـ الفراغ الاستراتيجى ـ فى تقديرى ـ لا يعنى مجرد غياب طرف سياسى، بل يعنى غياب الخصم الذى يضبط توازنات الإقليم، أو انهيار قوة كانت تلعب دور المركز الضابط للصراع فى مواجهة خصم أو خصوم. اقليميين، كانهيار العراق بعد 2003، أو تراجع أدوار بعض القوى الاقليمية لأسباب مختلفة، منها الحروب الأهلية او المعضلات الاقتصادية التى تتصاعد من مشكلة الى أزمة ثم الى معضلة. 

 

ثانيًا: الأهم هنا ليس كيف يحدث الفراغ، بل ماذا يحدث بعد الفراغ، وهل يمكن أن يبقى الفراغ فارغًا بالفعل؟

ـ فى البيئات المستقرة، يظل الفراغ السياسى او الاستراتيجى، أو حتى الفراغ الأمنى، حالة مؤقتة قابلة للاحتواء بآليات الاقليم او المجتمع الداخلية، بينما تختلف الصورة تمامًا فى الشرق الأوسط بطبيعته وتركيبته الديموغرافية المضطربة على مدار التاريخ، التى تجعل “الفراغ” حالة غير مستقرة لعدة اسباب، منها:

 

1) كثافة الفاعلين

ـ فالإقليم لا يضم دولة أو دولتين محوريتين فقط، بل شبكة معقدة من دول إقليمية، كل دولة لها مزاجها الخاص واطماعها المتضادة، سواء كانت قوى كبرى او متوسطة، او حتى صغيرة لكنها ذات تأثير استراتيجى.

الى جانب قوى غريبة مسلحة فرضت نفسها على الاقليم بتدخلات دولية جلبتها بعض دول الإقليم بنفسها بصورة مباشرة، او رسخت وجودها داخله بصورة غير مباشرة، فباتت تلك القوى الغريبة تضع"كتالوج" خاص لادارة كل دولة حسب مصالحها.

لذلك، فأى فراغ محتمل، ستسعى دول المنطقة نفسها لملئه بأطماعها المختلفة فى الأرض والثروة، مما سيهئ فرصة للاشتعال السريع بدلًا من الاستقرار.

 

2) الجغرافيا الاستراتيجية

ـ وجود نقاط اختناق عالمية حيوية مثل الممرات البحرية ـ مضيق هرمز، باب المندب، مضيق ثيران، قناة السويس ـ الى جانب مناطق الطاقة ـ خاصة على ضفتى خليج النفط ـ وهو ما يجعل أى خلل فى التوازن الاقليمى ليس شأنًا محليًا فقط، بل قضية أمن دولى مباشر.

ومن ثم لن يُترك الفراغ ليتشكل تلقائيًا مع الوقت بهدوء، ولن تسمح القوى الدولية بملئه بمعزل عنها، ليتحول تنافس قوى الإقليم على ملئ الفراغ الى تنافس دولى خارجى. وهو ما يقودنا لسبب ثالث:

 

3) ارتباط الإقليم بالنظام العالمى

ـ فالشرق الأوسط ليس نظامًا مغلقًا، بل جزء من بنية أوسع تشمل أمن الطاقة العالمى، وتوازنات القوى الكبرى، والمصالح الاستراتيجية المتداخلة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ومن ثم سيتحول أى فراغ اقليمى إلى قضية دولية. 

وهنا، لا يصبح الفراغ غيابًا للقوة، بل إعادة ترتيب لمواضعها.

 

ثالثًا: هل يعنى ذلك ان استقرار الشرق الأوسط فى حاجة الى إنتاج عدو جديد دائمًا؟

ـ للدقة، فلا اقصد بتحليلى هذا المتواضع أن الفراغ بجب أن ينتج “عدوًا جديدًا” بشكل مباشر ضمانةً للاستقرار، بل أرى أنه قد يؤدى إلى إعادة توزيع مركز الثقل التهديدى داخل الإقليم.

بمعنى أن ضعف تهديد اقليمى ما او اختفاؤه، لن يظهر له بديل خارجى مصمم مسبقًا، بل ستنفجر أكثر نقطة قابلة للاشتعال داخل النظام ـ كفتنة السنة والشيعة، او الأكراد، او تقسيم السودان المقسم اصلًا، ليصبح أيها مركزًا للتوتر الجديد، إن لم تكن جميعًا، او عبث خارجى ما فى مراكز ثقل الاقليم مما سينتقل أثره الى نطاقها الاقليمى بالضرورة ـ كمصر او السعودية.

 

رابعًا: إذًا.. من أين تأتى فكرة “العدو البديل” التى اقصد؟

ـ هنا، أرى ان تعبير “سلسلة الأعداء” يبدو تعبيرًا منطقيًا صحيحًا إذا نظرنا إلى التسلسل التاريخى للاقليم.

فالى جانب اسرائيل كتهديد ثابت، كان العراق يمثل مركز ثقل التوتر، ثم تصاعد الدور الإيرانى ـ او للدقة جرى تصعيده وتهويله ليوازن وجود اسرائيل ـ ثم بروز التنظيمات العابرة للحدود كتهديد رئيسى، فى سياق إقليمى سمح بتضخيم هذا النمط من التهديد وتقديمه كأولوية على ما سواه. 

لم يكن ذلك كله استبدالًا مخططًا، بل انتقال تلقائى لمركز جاذبية التوتر داخل نظام غير مستقر.

أقصد أن النظام الاقليمى لا يختار عدوًا جديدًا، بل ينزلق التهديد، او يتم إصطناعه، نحو النقطة الأكثر قابلية للتمدد الاقليمى فى لحظة معينة.

 

خامسًا: العامل الإسرائيلى فى معادلة التهديد.

ـ فى العلاقات الدولية، لا يمكن النظر إلى أى طرف بوصفه “مصنع أعداء” بالمعنى الحرفى.

لكن يمكن القول إن إسرائيل، بحكم طبيعة بيئتها الأمنية شديدة الحساسية للتهديدات القريبة، تميل إلى تعظيم التهديدات المحيطة بها، وربما اختلاقها، لإعادة تعريفها بصورة تجعلها أكثر وضوحًا وتركيزًا فى كل مرحلة، ومن ثم تتعامل مع “مركز تهديد رئيسى” فى كل مرحلة، داخل إطار أوسع يشمل:

1. التحالف الاستراتيجى مع الولايات المتحدة.

2. توازنات القوى الإقليمية.

3. واعتبارات الأمن والطاقة على المستوى العالمى.

 

الشاهد..

ـ يمكن تلخيص الفكرة الأساسية فى جملة واحدة:

الفراغ الاستراتيجى فى الشرق الأوسط لا يبقى فراغًا، لكنه فى الوقت نفسه لا يُملأ بقرار لاختيار “عدو جديد”، بل يُعاد تشكيله تلقائيًا وفق توازنات القوة والفرص والهشاشة داخل نفس النظام.

وذلك ما قد يفسر ـ جزئيًا ـ حرص الولايات المتحدة على بقاء إسرائيل كقوة عسكرية مهيمنة داخل الإقليم، بما يجعلها مركزًا واضحًا لإعادة تعريف التهديدات الإقليمية، بدلًا من تركها تتوزع بشكل فوضوى بين أطراف متعددة.

 

لكن السؤال الأعمق من كل ذلك يظل قائمًا: 

هل يمكن بناء نظام إقليمى يقلل أصلًا من قابلية إنتاج الأعداء من داخله او من خارجه؟

هذا ما ستتناوله الحلقة التالية: 

كيف تُبنى “منظومة استقرار” فى إقليم عالى الاحتكاك بطبيعته.

 

ذلك لمن راقت له المتابعة، فشرفنا بالقراءة، إن أراد الله تعالى وكان فى العمر بقية 

ولك يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق