لم تكن رسائل جيفري أبستين مجرد سجلات لشخصية مثيرة للجدل، او مجرد مجرم ارتكب سلسلة من الجرائم عوقب عليها بمقتضي القانون، بل كانت نافذة كاشفة تظهر طبيعة التشبيك الدولي والعقلية المالية والسياسية الغربية ورؤيتها لملفات المنطقة العربية.
في عام 2011، وسط ضجيج الميادين وما وصف بالربيع العربي، كانت التقارير تتدفق إلى مكاتب تلك الشبكات والنخبة المالية في نيويورك، وكانت القرارات الكبيرة تبني بعد عمليات رصد واسعة،
لم تكن هذه التقارير المعدة بشكل دقيق ترصد أحلام التغيير في بلادنا، بل كانت أقرب إلى لغة مرجعية لتدقيق حسابات "المال الساخن"، وانتقاله من موطن إلي اخر، فضلا عن التنبؤ بهوية الحكام الجدد الذين سيتحكمون في مصير الاستثمارات الدولية.
تكشف الرسائل المتبادلة من وإلى أبستين عن اهتمام برجماتي عميق بمصر بعد احداث ثورة ال ٣٥ من يناير. فبينما كان الشارع المصري يموج بالآمال، كان "معهد السلام الدولي" في نيويورك واحد ممن يرسل تقارير ملخصة ودقيقة لأبستين، راصدا لأدق تفاصيل المزاج الشعبي. في الوقت ذاته لم تكن هذه التقارير مجرد فضول سياسي، بل كانت أداة مساعدة تعين النخب المالية على اتخاذ قرارات مصيرية، وتستهدف بناء علاقات مع بعض القوى الوليدة لضمان تدفق الاستثمارات وحماية المصالح المالية في المنطقة، بعيدا عن الشعارات الثورية التي كانت تملأ الفضاء العام وقتئذ.
وفي تقرير مؤرخ 20 أبريل 2011، تظهر صورة محددة بلغة الأرقام، مرسلة لأبستين كملخص نتائج إستطلاع تشير إلى ثبات مؤسسي وقوة كامنة للتيارات التقليدية، رغم الآلة الثورية الشابة في القاهرة والحديث المتواصل عن الحرك العام للتغيبر، وتوصيات ادارة أوباما نفسها، إذ يكشف التقرير ما يشبه الخريطة الرئاسية الاستباقية، حيث اعتبر السيد عمرو موسى هو رجل المرحلة المفضل شعبياً بنسبة 32%، يليه عصام شرف بـ 16%، ثم المشير طنطاوي بـ 8%. وفي مفارقة صادمة، لم يحظ رموز المعارضة المعروفون بالاقتراب من الإدارة الأميركية وقتها، مثل البرادعي وأيمن نور، سوى بنسب هامشية تراوحت بين 2% و3%. ما يفتح الباب لتساؤل في نفس الرسائل من بيتر ماندلوسون، وزير التجارة الأوروبي الأسبق والسياسي البريطاني وقتها، إلى أبستين عما إذا كان لديه وسائل اتصال بموسى حال زيارته المقررة إلى مصر في مايو 2011، وهو ما يعكس رغبة النخبة الغربية في بناء جسور مباشرة مع الخيارات ذات التأثير المباشر وقتها .
في ذات السياق، يكشف التقرير عن رؤيته لخريطة البرلمان، منحصرة وقتها بين "حزب الوفد" باعتباره البديل العلماني المحتمل للحزب الوطني المنحل من الزاوية الشعبية، والذي يحظى بتأييد قد يصل إلى 40% من المزاج الشعبي، فيما تمثل جماعة الإخوان المسلمين وحزبها (الحرية والعدالة) نحو 31%. لكن المفاجأة الكبرى كانت تأكيد التقرير على أن الحزب الوطني لم ينته هيكليا، وأن قواعده كانت في انتظار ظهور حزب جديد بنسبة تأييد شعبي بلغت 20%، مما أعطى إشارة واضحة للنخبة الغربية بأن النظام القديم لم يتبخر، بل كان يعيد إنتاج نفسه سريعا بأسماء جديدة وقواعد لاتزال موجودة على الارض.
اللافت في تقارير معهد السلام الملخص لـ "أبستين" هو التركيز على نقطتين يمثلان حجر الزاوية للمصالح الغربية، الأولى هي أهمية الاستقرار الداخلي والتخوف من حدوث الفوضى والجريمة بعد سقوط النظام، وهو ما يفسر تقديره للشعبية الجارفة للجيش التي وصلت إلى 94% وقتها، والثقة في القضاء بنسبة 76%. والثانية هي العلاقة مع إسرائيل، ففي وقت كانت فيه الخطابات الشعبوية تطالب بإلغاء المعاهدات، كان التقرير يطمئن النخبة المالية الغربية بأن نحو 60% من المصريين آنذاك يؤيدون الالتزام باتفاقية السلام 1978، مما قلل من مخاوف خروج مصر عن مسيرتها المعتادة في الملفات الاستراتيجية.
تثبت هذه الرسائل أن اهتمام جانب عريض من النخبة المالية الأمريكية أو الغربية بمصر لم يكن مدفوعا بنشر الديمقراطية طبعا، بقدر ما كان مدفوعا برصد المشهد الوليد لتحديد وجهة الأموال. وما إذا كانت ستبقي أو ستغادر، خاصة مع التأييد الضئيل الذي حظي به أوباما داخل مصر ما يظهر الفجوة عميقة بين السياسة الرسمية الأمريكية والواقع على الأرض، وهي الفجوة التي حاولت شبكات مثل "أبستين وشركاه" سدها عبر فهم للمستقبل المالي والسياسي أكثر دقة وبرجماتية. وما تكشفه هذه المراسلات في جوهرها هو عنوان عريض يؤكد أن دوائر النفوذ في نيويورك، عاصمة الاقتصاد الأمريكية، كانت تقرأ المشهد المصري بعيون "إدارة المخاطر"؛ لضمان عدم خروج القاهرة وقتها عن مدار المصالح الدولية العابرة للقارات.
إن هذه الرسائل التي لم تكن معروفة بشكل علني في تلك الحقبة، تضع النقاط على الحروف فيما يخص الصراعات السياسية الداخلية لاحقاً. فهي تعزز من منطقية وصحة "الرفض الوفدي" التاريخي للتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين ٢٠١٣، وتوضح طبيعة التحركات الاميركية نفسها عبر السفيرة بيترسون وقتها، ورفض رئيس الوفد تشكيل حكومة في ظل برلمان يحوز أكثريته حزب الحرية والعدالة. لقد أدرك الوفد، بحسه السياسي وتاريخه، خطورة التماهي مع جماعة كانت قد شرعت في تنفيذ سياستها للتمكين كجزء من عملية أكبر تهدف لخدمة المصالح الدولية التي رصدتها تقارير أبستين بدقة. وبذلك، تظل هذه الرسائل تذكيرا بأن ما يحدث في الميادين في كثير يترجم في الغرف المغلقة إلى أرقام وفرص، وأن الوعي الشعبي بتزايد استقرار المؤسسات الوطنية كان ولا يزال هو الصخرة التي تتحطم عليها طموحات النخب المالية العابرة للحدود.

















0 تعليق