من المقرر شرعًا أن قراءةُ القرآن الكريم في مكبرات الصوت داخل المساجد فيما بين الأذان والإقامة واجتماعُ الناس على سَمَاعها هو أمرٌ مشروعٌ مستحبٌّ حَسَنٌ؛ بعموم الأدلة الدالّة على استحباب قراءة القرآن واستماعه، ولا يجوز تقييد ذلك بهيئة دون هيئة إلا بدليل، وهو أيضًا مستحب بخصوص أدلة استحباب الدعاء والذكر بين الأذان والإقامة، وعلى ذلك جرى عمل الأمة سلفًا وخلفًا من غير نكير.
قراءة القرآن بين الأذان والإقامة
وقراءة القرآن بين الأذان والإقامة مشروعةٌ بعموم الأدلة الشرعية التي جاءت في الحَثِّ على قراءة كتاب الله واستماعه والإنصات إليه مُطْلَقًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، كما أن الاجتماع لها أمرٌ مشروعٌ بعموم الأدلة التي جاءت في الحَثِّ على الاجتماع على الذِّكر والقرآن؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» رواه مسلمٌ.
استحباب الاستماع إلى القرآن الكريم
وردت السنة باستحباب الاستماع إلى القرآن الكريم؛ حيث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يسمع القرآن من أصحابه رضي الله عنهم؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فقلت: يا رسول الله! أَقْرأُ عليك وعليك أُنْزِل! قال: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قال: «حَسْبُكَ الآنَ»، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان" متفق عليه. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» متفق عليه.
قال الإمام النووي في "التبيان في آداب حملة القرآن" (ص: 113، ط. دار ابن حزم): [اعلم أن جماعات من السلف رضوان الله عليهم كانوا يطلبون من أصحاب القراءة بالأصوات الحسنة أن يقرؤوا وهم يستمعون، وهذا متفق على استحبابه، وهو من عادة الأخيار المتعبدين وعباد الله الصالحين، وهو سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ.
والاستماع إلى القرآن الكريم أقوى في التدبر، كما أنه أثوب في الأجر؛ لأن قراءته مستحبة، غير أن الإنصات إليه واجب؛ كما نص عليه جماعة من الفقهاء:
قال العلامة ابن بطال المالكي في "شرح صحيح البخاري" (10/ 277، ط. مكتبة الرشد): [معنى استماعه صلى الله عليه وآله وسلم القرآن من غيره والله أعلم: ليكون عرضُ القرآن سُنّةً، ويحتمل أن يكون كي يتدبره ويفهمه؛ وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لأنه في شغل بالقراءة وأحكامها] اهـ.
وقال العلامة ابن نجيم الحنفي في "الأشباه والنظائر" (ص: 248، ط. دار الكتب العلمية): [استماعُ القرآنِ أَثوبُ من قِرَاءتِهِ، كذا في "منظومة ابن وهبان"] اهـ.
استحباب قراءة القرآن الكريم في كل الأوقات
النصوص المطلقة الدالة على استحباب قراءة القرآن والاجتماع عليه والاستماع إليه تقتضي مشروعية ذلك في جميع الأوقات؛ إذ من المقرر في علم الأصول أن الأمر المطلق يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال، فإذا شرع الله سبحانه وتعالى أمرًا على جهة الإطلاق وكان يحتمل في فعله وكيفية إيقاعه أكثرَ من وجه فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل. هذا كله على جهة العموم.
فتخصيص وقتٍ من ليل أو نهار، أو يوم من الأسبوع أو الشهر أو السنة، أو مناسبة أو احتفال أو موسمٍ أو ذِكرى، أو تخصيص موضع أو مجلس أو غير ذلك لقراءة القرآن الكريم والاستماع إليه هو من الأمور المستحبة المشروعة بعموم الأدلة، حتى ولو لم يكن ذلك بخصوصه واردًا في السُّنّة، وعلى ذلك جرى عمل السلف الصالح وعلماء الأمة وفقهاؤها ومحدِّثوها؛ حتى نصوا على استحباب استفتاح مجالس التحديث واختتامها بقراءة القرآن، وأنه يستحبُّ حينئذٍ الإتيانُ بذوي الأصوات الحسنة، وأن يتخيروا من الآيات ما يناسب الحال ويليق بالمقام؛ فعن أبي نضرة قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرؤوا سورة" أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع".
وقال الإمام النووي في "التبيان" (ص: 114): [وقد استحب العلماء أن يستفتح مجلس حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويختم بقراءة قارئ حسن الصوت ما تيسر من القرآن. ثم إنه ينبغي للقارئ في هذه المواطن أن يقرأ ما يليق بالمجلس ويناسبه] اهـ.
















0 تعليق