من يخفف أحمال المصريين؟!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن «قرارات صعبة»، يُقال إن الهدف هو الإصلاح وتحقيق التوازن الاقتصادي، لكن المواطن البسيط يشعر أن تلك القرارات تعني في النهاية شيئًا واحدًا؛ مزيدًا من الأعباء اليومية، فمن ارتفاع أسعار البنزين والسولار إلى زيادة تكاليف المواصلات، وبين الأرقام والخطط، تبقى الحقيقة الأقرب إلى الناس أن تكلفة الحياة ترتفع تدريجيًا، بينما القدرة على التحمل تتراجع بشكل ملحوظ، وهو ما يعكس أن المعادلة تُدار دائمًا في اتجاه واحد فقط؛ نقل العبء من الموازنة العامة إلى جيوب المواطنين، فيتحمل الناس ما لم تعد الدولة قادرة على تحمله.

وبصراحة، أصبح رفع أسعار الوقود خطوة تمس سلسلة طويلة من التكاليف في حياة الناس، فمع كل زيادة في البنزين والسولار ترتفع أسعار النقل والشحن، ثم تنتقل الزيادة تلقائيًا إلى السلع والخدمات المقدمة، ليجد المواطن نفسه يدفع الفاتورة أكثر من مرة؛ مرة في محطة الوقود، ومرة في أجرة المواصلات، ومرة ثالثة في أسعار الطعام والاحتياجات اليومية للمنزل، وهكذا تتسع دائرة التأثير لتتحول الزيادة الصغيرة على الورق إلى عبء كبير في الواقع.

الأمر نفسه يتكرر في قطاع النقل العام، إذ تتحرك أسعار تذاكر المترو والقطارات كلما ارتفعت تكلفة التشغيل، وقد يبدو هذا منطقًا اقتصاديًا مفهومًا على مستوى الحسابات، لكنه يترك أثره المباشر على ملايين الموظفين والطلاب الذين يعتمدون يوميًا على هذه الوسائل، فكل زيادة، حتى وإن بدت محدودة، تتحول إلى التزام شهري ثابت يتراكم مع غيره ليثقل كاهل ميزانية الأسرة المصرية، التي لم تعد تحتمل المزيد.

وفي ظل هذا المشهد، يأتي قرار غلق المحال في التاسعة مساءً أيضًا باعتباره جزءًا من سياسة ترشيد الطاقة وتقليل الاستهلاك، لكن كثيرين يرونه حلًا إداريًا ينقل عبئًا جديدًا إلى أصحاب الأنشطة التجارية والعاملين بها، فالساعات الأقل تعني حركة بيع أقل ودخلًا أقل، بينما المصروفات الأساسية لا تتغير كثيرًا، لذلك يشعر البعض أن السياسات تُنفذ أحيانًا بمنطق تقليل الضغط على الدولة، حتى إذا انتقل جزء من هذا الضغط إلى المجتمع.

وإذا كان الخطاب الرسمي يربط هذه الإجراءات بضرورات الإصلاح الاقتصادي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في اتخاذ القرار، بل في توزيع كلفته بعدالة، فالإصلاح الذي ينجح هو ذلك الذي يوازن بين استقرار الأرقام والمجتمع معًا، لأن أي سياسات اقتصادية، مهما بدت منطقية على الورق، تحتاج في النهاية إلى قدرة الناس على التعايش معها، وإلى شعور عام بأن الأعباء موزعة بشكل منصف بين الدولة والناس.

أخيرًا، الدولة تحاول تخفيف الأعباء عن موازنتها في ظل ظروف اقتصادية معقدة، وهو أمر مفهوم في منطق الإدارة المالية، لكن السؤال الذي يظل حاضرًا في ذهن الناس هو من يخفف أحمال المصريين أنفسهم؟ فالأحمال في النهاية لا تختفي من الواقع، وإنما تنتقل من طرف إلى آخر، وغالبًا ما يكون الطرف الأخير هو المواطن، ومن الآخر إذا كانت الدولة تبحث عن التوازن، فإن الناس أيضًا يبحثون عن مساحة لالتقاط الأنفاس وسط موجات متلاحقة من القرارات الصعبة التي تمس تفاصيل حياتهم اليومية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق