بين الرجلين من الزمن، حوالى الـ24 عاماّ، ومن المكان، المسافة من «بغداد» إلى «واشنطن»، وعلى طرفى الزمان والمكان، تفاصيل مشتركة و«مشبوهة»، ترقى إلى التعريف الحرفى لـ«الخيانة»، خيانة «الوطن» قبل أن تكون خيانة لـ«النظام».. وتعلمون أن تاريخ الدول والشعوب، لا تكتبه مواقف بطولية وحسب، وإنما أيضاّ مواقف تثير الجدل والريبة، والأخيرة تعكس الأسئلة الأخلاقية بعمق، تلك التى تتعلق بمعنى وحدود الوطنية، عند أولئك الذين يتعمدون خيانة بلدانهم بشعارات «مصلحية»، تغطيها المزاعم بمعارضة الأنظمة الحاكمة، بالضبط كما النموذجين الماثلين هنا، أحمد الجلبى فى العراق، العام 2003، ورضا بهلوى فى إيران -المنفى فى أمريكا- العام 2026.
< كان أحمد الجلبى، يقدم نفسه معارضاّ لنظام صدام حسين، حتى أنه أسس فصيلاّ سياسياّ «المؤتمر الوطنى السياسى»، وهو فى الحقيقة، كان غطاءّ لتحركاته المشبوهة، نحو لعب الدور الأبرز، فى تحريض الرئيس الأمريكى، جورج بوش، على غزو العراق، بتقديم التقارير الكاذبة للاستخبارات الأمريكية، عن امتلاك نظام «صدام» أسلحة دمار شامل، وكانت المصلحة الشخصية، فى أن يشارك فى مرحلة ما بعد الغزو -20 مارس 2003- لكنه فقد نفوذه عند الأمريكيين أنفسهم، وقت تولوا إدارة العراق من «بغداد»، وقد انكشف غطائه السياسى، حين فضحه الشعب العراقى عن «خيانة» البلاد، واستقباله قوات الاحتلال «الأمريكية» بالورود.
< نفس دور «الجلبى» فى العراق، يلعبه «بهلوى» فى إيران، على الرغم من مسافات الزمان والمكان، هو ضيف على الولايات المتحدة الأمريكية «منفيًا»، منذ ثورة إيران الإسلامية، الذى انطلقت، فى العام 1979، بدعوة الإمام «الخمينى»، وأنهت النظام الملكى لوالده «الشاه» محمد رضا بهلوى، وتحت ضغوط الإغراءات، ورغبته فى العودة ملكاّ، عمل طوال سنوات المنفى، مع معارضين قى الداخل والخارج، على محورين متوازيين، الأول: إقناع «واشنطن» بتغيير نظام آيات الله فى «طهران».. والثانى: السعى لتحريك الشارع الإيرانى ضد قيادة المرشد الأعلى، وهكذا أنتهى الأمر، بعدوان أمريكى - إسرائيلى، ولكن من دون تحقيق رغبة الـ«بهلوى»، ومن دون أن يسقط النظام.
< فى العراق.. النتيجة أن دخلت البلاد فى فوضى عارمة، وانقسامات بين المكونات السياسية والمذهبية، ما أظهر رأياّ عاماّ، أن تَدخُل القوات الأمريكية، لا هو من أجل التحرير، ولا هو لنشر الديمقراطية، كما ادعى «البيت الأبيض»، لكنه كان التدمير «العمدى» لبنية الدولة وتاريخها، بدأ بقرار المفوض الأمريكى، بول بريمر، حل الجيش العراقى، الذى كانت أسوأ نتائجه، إنتاج تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وبالتالى، بدء مرحلة التهديدات الإرهابية، التى يعانى منها العالم حتى اللحظة، ولاحق ذلك، ما تولاه الجنود الأمريكيون، من تخريب ودمار، لمكتبات التراث والمواقع الأثرية، فى محاولة لطمس هوية البلد العريق..العراق.
< أما فى إيران «الصامدة»، سقطت رغبة «بهلوى» فى ادعائه، تحرير الشعب الإيرانى، أمام التفاف هذا الشعب نفسه، حول قيادة البلاد، بكافة مستوياتها الدينية والسياسية، فى مواجهة العدوان، حتى لو خلف دماراّ وضحايا، تحسبها إيران فداءّ شرعياّ لحماية البلاد وسيادتها، وأظنه الموقف الذى يكفى، أن تتجلى كيد الفتنة والخيانة، يوم تنتصر الدولة الإيرانية، ويرحل الأمريكيون عن المنطقة، ومن ثم يفقد الـ«بهلوى» نفوذ دعوته واستقواءه بالخارج، ويرعاه التاريخ «خائناّ» لبلده، بالضبط، كما مصير «الجلبى» من قبل.. نقول: إن دعوة قوى أجنبية، لتغيير الأنظمة فى الأوطان، تظل وصمة خيانة.. الوطن ليس مجرد نظام حاكم، إنما كيان شامل -شعب وتاريخ وأرض- «الجلبى» و«بهلوى» فيه، مجرد «موصومين» بالعمالة.


















0 تعليق