الجهاد الأكبر

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : «مَن أنفَقَ زَوجَينِ فى سَبيلِ اللهِ نوديَ فى الجَنَّةِ: يا عَبدَ اللهِ، هذا خَيرٌ، فمَن كانَ مِن أهلِ الصَّلاةِ دُعيَ مِن بابِ الصَّلاةِ، ومَن كانَ مِن أهلِ الجِهادِ دُعيَ مِن بابِ الجِهادِ، ومَن كانَ مِن أهلِ الصَّدَقةِ دُعيَ مِن بابِ الصَّدَقةِ، ومَن كانَ مِن أهلِ الصِّيامِ دُعيَ مِن بابِ الرَّيَّانِ. قال أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسولَ اللهِ، ما على أحَدٍ يُدعى مِن تلك الأبوابِ مِن ضَرورةٍ، فهل يُدعى أحَدٌ مِن تلك الأبوابِ كُلِّها؟ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، وأرجو أن تَكونَ منهم».
والجهاد أعم من القتال، فالجهاد يشمل جهاد العدو الذى هو جهاد دفع العدو حفاظا على الأرواح والأوطان، وهو من اختصاص ولى الأمر المنوط به قانونا إعلان حالة الحرب والسلم وفق قانون كل دولة ودستورها، ومن دُعى من أهلها لذلك وجب عليه تلبية الأمر والنداء، ومن قتل فى سبيل ذلك فهو شهيد، «وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ «، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، حيث يقول الحق سبحانه: «وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ  بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ»، ويقول سبحانه: « وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا  بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ».
مع تأكيدنا على أن إعلان حالة الحرب والسلم أو التعبئة العامة إنما هى حق خالص لولى الأمر المنوط به ذلك دستوريا وقانونيا، وليست حقا لحزب من الأحزاب أو جماعة من الجماعات أو قبيلة من القبائل أو إقليم من الأقاليم، وإلا لصار الناس إلى فوضى.
أما الباب الأوسع فهو جهاد النفس يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه فى طاعة الله»، وقد عد كثير من العلماء جهاد النفس أصلا وجهاد العدو فرعا له أو عنه، ذلك أن الحرب استثناء وليست أصلا، فالأصل فى ديننا أنه دين سلام للإنسانية جمعاء.
ومن لا يستطيع أن يجاهد نفسه ويحملها على طاعة الله ويكفها عن معصيته لا يمكن أن يجاهد عدوا، وعدوه الذى بين جنبيه قاهر له متحكم فيه، وقد قال كثير من أهل العلم منهم ابن بطال وغيره: إن جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل.
يقول ابن القيم رحمه الله: مراتب مجاهدة النفس أربع: مجاهدتها على تعلم الهدى ودين الحق، ومجاهدتها على العمل بالهدى ودين الحق بعد علمه، ومجاهدتها على الدعوة إلى الحق،ومجاهدتها على الصبر على مشاق الدعوة وتحمل أذى الخلق فى سبيلها.
وفى تفسير قوله تعالى: «وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا» قال ابن عباس رضى الله عنهما: أى جاهدهم بالقرآن الكريم، وقال سيدنا أبو بكر رضى الله عنه فى وصيته لسيدنا عمر بن الخطاب حين استخلفه: إن أول ما أحذرك نفسك التى بين جنبيك، وكان الإمام على رضى الله عنه يقول: أول ما تنكرون من جهادكم أنفسكم، وقال إبراهيم بن علقمة لقوم عادوا من القتال : قد عدتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب، وقال الإمام الغزالى رحمه الله: إن النفس عدو منازع يجب علينا مجاهدتها، وذلك بالصبر على الطاعة حتى نؤديها، والصبر عن المعصية حتى لا نقع فيها.
وعلى كل منا أن يجاهد فى مجاله وميدانه، الطبيب فى مشفاه، والمعلم فى مدرسته، والفلاح فى حقله، والعامل فى مصنعه، والكاتب فى ميدانه، وهكذا كل فيما وفقه الله إليه لننهض مجتمعين بأوطاننا، ونعمل معا لرقيها وتقدمها والحفاظ عليها بكل ما أوتينا من قوة واستطعنا من وسائل وأدوات.

الأستاذ بجامعة الأزهر

أخبار ذات صلة

0 تعليق