لحظة انطفاء أضواء المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية أمس، فوجئ الحضور بأنهم أمام، وربما جزء من طقس فني لا مجرد عرض راقص. دائرة حمراء تسطع وتتوسط خشبة المسرح كعلامة غامضة، أشبه بشمس معلقة في منتصف الكون أو عين تراقب الأجساد قبل أن تبدأ رحلتها.
ومع الضربات الموسيقية الأولى، تحوّل المسرح تدريجيًا إلى عالم كامل تتماوج بداخله الموسيقى والرقص والضوء بوصفهم كائنًا واحدًا وحي.

في عرضه الجديد "شهرزاد والبوليرو" قدّم المخرج والمصمم وليد عوني مع فرقة الرقص المسرحي الحديث المصري وأوركسترا أوبرا القاهرة تجربة بصرية وموسيقية شديدة الطموح. جمعت بين "شهرزاد" لريمسكي كورساكوف و"البوليرو" لموريس رافيل. في محاولة لخلق حوار بين الشرق والغرب قديمه ومعاصره، وبين الحكاية والإيقاع وبين الجسد والموسيقى.
لم يكن العرض مجرد تجاور لمقطوعتين موسيقيتين شهيرتين، بل كأنه انتقال تدريجي من عالم الحكاية والأسطورة إلى عالم الإيقاع المجرد. ففي "شهرزاد" حضرت روح "ألف ليلة وليلة" بكل ما تحمله من غموض وسحر شرقي. بدت الأجساد وكأنها تروي الحكاية بدل الكلمات، فيما صنعت الموسيقى حالة من التدفق البصري المستمر، حيث تتحول الحركة إلى لغة سردية كاملة.

اعتمد العرض في هذه الجزء على التكوينات الجماعية والانسيابية الحركية التي منحت الراقصين ملامح أقرب إلى الكائنات الأسطورية، بينما لعبت الإضاءة دورًا حاسمًا في بناء المناخ الشرقي، دون الوقوع في فخ الفولكلور أو الاستعراض الزخرفي المباشر. لم يكن الشرق هنا صورة سياحية جاهزة بل حالة متخيلة، تتحرك بين الحلم والأسطورة والذاكرة.
لكن التحول الحقيقي جاء مع "البوليرو" تلك المعزوفة التي تقوم أساسًا على التكرار والتصاعد التدريجي، وكأنها تبني توترها الخاص ببطء حتى تصل إلى ذروة تكاد تكون انفجارًا كاملًا. هنا لم تعد الموسيقى خلفية للرقص، بل أصبحت هي القائد الحقيقي للمشهد. كانت الإيقاعات المتكررة تفرض سلطتها على الأجساد، وتجبرها على الدخول في دوائر متتالية من الحركة، حتى بدا الراقصون وكأنهم أسرى هذا الإيقاع الذي لا يتوقف.

ومن أكثر العناصر التي منحت العرض ثراءه البصري تلك الأزياء التي لم تكن مجرد ملابس مصاحبة للرقص، بل جزءًا أساسيًا من اللغة الفنية للعمل. فكما مزج العرض موسيقيًا بين الشرق والغرب والكلاسيكي والمعاصر، جاءت الأزياء أيضًا لتكمل هذا الحوار البصري المركب، وكأن كل زي يحمل داخله طبقة زمنية وحضارية مختلفة.

تنقل الراقصون بين أزياء تستدعي الروح الصوفية للمولوية، بتصميمها الدائري وحركتها المنفتحة على الدوران ولونها الأبيض، وهو ما انسجم بصورة لافتة مع فكرة "البوليرو" القائمة أصلًا على التكرار والحركة الدائرية، وفي لحظات أخرى، ظهرت ملامح مستوحاة من الأزياء المصرية القديمة، خصوصًا تلك التكوينات التي أعادت إلى الذاكرة هيئة ال"جيب" القصير الذي ارتبط بصور وتماثيل إخناتون، بما يحمله من خفة وانسيابية تسمح للجسد بأن يبدو أقرب إلى النقوش الحية على جدران المعابد

ولم تتوقف الاستعارات البصرية عند هذا الحد، بل حضرت أيضًا أزياء شرقية تحمل أثر الرقصات المصرية التقليدية، خاصة ذلك المزج بين الشفافية والزخرفة والخطوط الواسعة التي تستدعي فورًا عالم "ألف ليلة وليلة" وكأن بعض الراقصات خرجن من رسومات المخطوطات الشرقية القديمة أو من خيال الحكائين الشعبيين.
اللافت أن هذه العناصر جميعها لم تظهر بصورة متنافرة أو استعراضية، بل بدت منسجمة داخل رؤية واحدة، حيث لم يكن الهدف إعادة إنتاج أزياء تاريخية بحرفيتها، وإنما إعادة توظيفها داخل لغة معاصرة، لذلك حافظت الملابس على طابع حديث في قصّاتها وحركتها فوق الجسد، حتى وهي تستعير رموزًا بصرية من التراث المصري والشرقي والصوفي.

ومع حركة الراقصين والإضاءة المتغيرة، تحولت الأزياء نفسها إلى عنصر راقص، يشارك في تشكيل الصورة على المسرح، كانت الأقمشة تدور وتتمدد وتنكمش مع الموسيقى، فتبدو أحيانًا كامتداد للإيقاع وأحيانًا أخرى كأنها طبقة إضافية من التعبير الجسدي، مما جعل العرض لا يعتمد فقط على الرقص أو الموسيقى، بل على تكامل بصري تتحاور فيه الحركة مع اللون والنسيج والضوء.
نجح وليد عوني في استعادة الروح الفلسفية التي ارتبطت تاريخيًا ب"البوليرو" خصوصًا في النسخة الشهيرة التي قدمها موريس بيجار وهو الذي يعتبره عوني مُعلّمه، لكنه لم يسعَ إلى تقليدها حرفيًا، بل حاول إعادة إنتاجها بروح مختلفة، تنتمي إلى زمن آخر وجيل آخر من الراقصين. لذلك بدا العرض أقرب إلى تحية فنية لبيجار أكثر منه إعادة استنساخ لعمله.

واحدة من أهم نقاط قوة العرض كانت الطريقة التي امتزج بها الرقص المعاصر بالحركات الكلاسيكية، ففي لحظات كثيرة، بدا الجسد وكأنه يتحرر من القواعد الأكاديمية الصارمة للباليه، ليدخل مناطق أكثر بدائية وتلقائية، ظهرت حركات الالتواء والسقوط والتكرار بوصفها لغة تعبيرية قائمة بذاتها، بينما تحولت بعض المشاهد إلى ما يشبه الطقوس الجماعية التي تحتفي بالصراع الأبدي بين الذكر والأنثى.
هذا التداخل بين الرقص المعاصر والكلاسيكي منح العرض طاقة خاصة، لأنه لم يعتمد فقط على الجمال الشكلي للحركة، بل على قدرتها على التعبير النفسي والفلسفي، لم يكن الراقصون يستعرضون مهاراتهم بقدر ما كانوا يحاولون تحويل أجسادهم إلى امتداد حي للموسيقى.
كما لعبت السينوجرافيا أو العناصر التي صنعت العالم البصري والسمعي للعرض دورًا محوريًا في بناء المعنى البصري، خصوصًا عبر الدائرة الحمراء التي ظلت حاضرة بوصفها مركزًا رمزيًا تدور حوله الحركة.
بدت أحيانًا كشمس وأحيانًا ككرة أرضية وأحيانًا أخرى كرمز للعلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة، والدوران المستمر حولها انعكاسًا لفكرة التكرار نفسها التي تقوم عليها "البوليرو" وكأن العرض كله يتحرك داخل مدار كوني لا يمكن الهروب منه.

أما أوركسترا أوبرا القاهرة، بقيادة المايسترو محمد سعد باشا، فقد لعبت دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الموسيقى والحركة، فالمقطوعتان تنتميان إلى عالمين مختلفين موسيقيًا، لكن الأداء الحي منح العرض طاقة مضاعفة، وجعل الموسيقى تبدو وكأنها تنبض داخل المسرح.
ما يميز هذا العرض أيضًا أنه لا يكتفي بالاحتفاء بإرث موسيقي عالمي، بل يحاول إعادة طرحه داخل سياق مصري معاصر، عبر فرقة استطاعت على مدار سنوات طويلة أن تخلق لنفسها لغة خاصة في الرقص المسرحي الحديث، ولذا فقد كان العرض حوار مفتوح بين أجيال متعددة من الفن، من رافيل وبيجار وكورساكوف، وصولًا إلى الراقص المصري المعاصر الذي يحاول أن يجد مكانه داخل هذا الإرث الضخم.
لم يكن "شهرزاد والبوليرو" مجرد عرض راقص بل تجربة حسية كاملة، يتحول فيها الجسد إلى لغة والموسيقى إلى قوة تحرك العالم على الخشبة، وحتى بعد إسدال الستار، ظل إيقاع "البوليرو" عالقًا في الذاكرة، كأن العرض لم ينتهِ بعد، بل استمر في الدوران داخل أرواح الجمهور.
















0 تعليق