يعرف فرويد الإبداع بأنه تنفيس عن الصراع المعتمل داخل الشخصية، والمتمثل في القمع والكبت، والمتطلع إلى أنواع شتى من السلوك، وهو تعويض عن غرض أدنى بغرض أسمى.
وهو في ذلك يجعل من بوتقة الأديب أو الشاعر خزانة تحمل ما يرغب صاحبها أو لا يرغب في حبسه، أو تخزينه، ولما كانت البيئة لدى الشاعر هي عينيه اللتان يرى فيهما عالمه وما يأمله، ما يواجهه وما ينازله، ما يرسمه وما يزيله، ما يحييه وما يميته..
والبيئة في ديوان الشاعر حسني الإتلاتي " قطار بضائع محدود الحركة" بيئة مؤنسنة، بيئة تستطيع أن ترسم ملامحها حية أمام عينيك وأنت تعرف حدودها، وطبائع الناس فيها، تقرأها على مستويات ثلاث …
المستوى الأول " المفردة "
وهو مستوى يسهل الكشف عن أثر البيئة فيه، وجرسها العالي في حوشها، فالنهر والنخلة والمدرسة والشجرة والوحدة البيطرية والظهيرة والحفاة والشعر المجعد … الخ، ماهي إلا قليل من كثير توزع خبزه على كافة قصائد الديوان حتى لكأنك وأنت تمضغ حروفها لا تستشعر أرقًا في هضم معرفي، أو ابتعاد مستويات لغة بعضها عن بعض، ذلك أن المفردة بنت أرض واحدة، وبنت مناخ واحد، حتى وإن تعددت وجوهه وفصوله، غير أن ما طرحته نبوءة الشعر والشاعر من مفردات أغلبها وأعمها ابن أرض تشبه صاحبها دون تزيين، فلا وجه لمسافات، ولا حاجة للاستعانة بقواميس للترجمة، إذ يكفيك أن تستشعر دفء المفردة لتذوق معناها، وهو أمر لو يعلم أغلب من يكتبون الشعر وخاصة قصيدة النثر… عظيم.
المستوى الثاني… مستوى الصورة
وهو مستوى الاشتغال على مزج المفردة لصناعة صورة غير متكلفة ولا مزيفة، ونحن هنا لا نقيس جودة الرمز والمجاز ولا المشهدية فيها، وما أكثر ذلك … بقدر ما نلحظ أثر البيئة في هذه الصناعة الصعبة، وهو أثر لا تمل عينك من متابعة عربات قطاره السريعة حتى وإن أوهمك أنه محدود الحركة! فالديوان ملآن بحشد كبير من الصور المعبرة عن مشهدية لها دلالتها، معبرة عن قيود اجتماعية أو نوستالجيا زمكانية الهوى، أو ليأخذ بيدنا لما يود قلعه وزرعه…. ولتقرأ …
. جميل هو النهر
لا يزعج الطيور ويحتوي التماسيح
يحمل على كتفيه مراكب العشاق
وصنادل الفحم والأحجار
ناعم هو النهر ومسرف في الفحولة
كلما دخل بأرض تحبل بالحياة !
واقرأ ….
أنا كدت أقتل ولدا نظر إلى ابنتي
واسأل نفسك عن أثر البيئة وما يحيطها من عادات وتقاليد راسخة تحكم الزرع والقلع، النثر والشعر، وتابع بقلبك ما يسوقه اليك من عسل نقي،
ذات صباح سقطت في فناء المدرسة
فشجت رأسي
لم تكن أمي في البيت
كي تغسل دمي الذي تبعثر
قالوا إنها في الجنة
قلت لكنني في الأرض
بعض من قليل تستطيع بلا جهد أن تعرف كيف يعيش الناس في بيئة الشاعر والديوان، وكيف يستطيع وهو لا يُعرِف أحدهم لعموم ما يريد ويرمي، أن يجعلك ترى الهامش متنًا، والمنسيون أصحاب بطولات يحكمون بقلوبهم على كل شيء، بل ويستطيع من خلال مشهديته التي هي بنت بيئته أن يجعلك تعرف كيف يتنفسون ويأكلون بل وكيف يموتون وأين تستقر دموعهم وأفراحهم.
والصورة هنا غير مركبة، ولا تأخذ التتابع في التكوين طريقا مألوفا، إذ تجعل من الدلالة حكمًا يضع على القارىء عبء الولوج إلى المعنى، بعيدا عن المباشرة أو الافهام.
المستوى الثالث.. مستوى السياق.. سيميائية المكان في لغة الديوان الشعرية
…
وهو مستوى يحمل اللون والمفردة والصوت والصورة كلهم في قبضة يده، ليعجنهم في سيميائية تدلك الرموز فيها والعلامات على نجاح الشاعر في ملء مساحة الفضاء المكاني، متجاوزا حقيقته الجغرافية إلى كينونة نفسية وعاطفية واجتماعية، بحيث يتحول فيها المكان إلى أيقونة ورمز يجتمع فيها صراع الذات والغربة والعادات والتقاليد والفقر والعوز، وهو لا يرمي بذلك إلى استسلام لا يريده، بقدر الكشف عن لوحة وراءها دم فقراء بسطاء، والمكان هنا في الديوان يمثل رمزا وجدانيا تشكل عبر مفردة من الأرض وخيال يضرب بجذوره فيها …
حيث يقول الشاعر
أنا اللاعب الأسود
أمي بائعة الخبز لكن لا تبيع الشرف
لم تشرب الويسكي مع رفاق الملهى في صحتكم
أو حانات الحوارات الثقافية العائمة
في صهد الشمس ألقتني إلى الشارع
وهو ابن سيميائية المفتوح والمغلق، فهو ابن النهر والشجرة والأرض الطيبة والأم التي في الجنة، وهو في معلم في المدرسة وابن من يحب عبدالناصر…. وهنا لا تقف الاشارات والدلالات في صف ضربه المشيب، بقدر ما ترك روحه لها تسوق المفردة والصورة بحيث قبضت على سياق عام الأخذ والعطاء وفق ما تقتضيه الضرورة الشعرية دون إلحاح، حتى اكتمل عربات قطار.


















0 تعليق