مي المرسي: المسرح الكنسي اقتحم القضايا الصعبة بجرأة (حوار)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في حوارها لـ "الدستور"، تحدثت الباحثة مي المرسي عن كتابها الصادر حديثًا بعنوان "المسرح الكنسي المعاصر في مصر 1953-2010"، الذى تعرض فيه دراسة نقدية وتحليلية لدور هذا المسرح في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية المصرية.

8da316afef.jpg

 وتقول “المرسي” إن المسرح الكنسي أصبح أكثر من مجرد نشاط ديني أو وعظي، إذ تحوّل إلى منصة فنية حقيقية تعكس التحولات الوطنية والسياسية والاجتماعية، وتساهم في تشكيل الوعي العام عبر عقود من الزمن، من خلال الجمع بين التراث الديني والتاريخي والشعبي، ومناقشته لقضايا حساسة مثل العدالة الاجتماعية، حقوق الإنسان، والوحدة الوطنية.

وتكشف مي المرسي عن نجاح المسرح الكنسي في كسر القوالب التقليدية، والتفاعل مع الأحداث الكبرى في مصر، وكيف ساهمت الكنيسة المصرية في دعمه كأداة للتنوير الثقافي، ليس فقط داخل الكنيسة، بل على المسرح العام، لتصبح تجارب هذا المسرح نموذجًا فنيًا وثقافيًا متكاملًا، يجمع بين الرسالة الروحية والبعد الإنساني، ويقدم رؤية فنية معاصرة قادرة على مخاطبة المجتمع بكافة طبقاته.

_ما الذي دفعكِ إلى اختيار دراسة المسرح الكنسي كمحور لبحثكِ العلمي؟

الدافع الأساسي وراء اختياري لهذا الموضوع هو الرغبة في إعادة كتابة تاريخ المسرح المصري من منظور أكثر إنصافًا ودقة بعيدًا عن المركزية التاريخية التي حصرت بدايات المسرح في أسماء بعينها مثل يعقوب صنوع بينما الواقع يكشف عن وجود تيار مسرحي أسبق وأكثر رسوخًا نشأ داخل الكنيسة أردت أن أثبت أن المسرح الكنسي لم يكن مجرد نشاط رعوي هامشي بل كان فعلًا ثقافيًا متكاملًا ساهم في تشكيل الوعي المصري منذ وقت مبكر كما أن الفترة من 1953 إلى 2010 تمثل مرحلة بالغة الأهمية لأنها شهدت تحولات سياسية واجتماعية كبرى انعكست بوضوح على النص المسرحي الكنسي مما جعله مرآة دقيقة للمجتمع المصري.

46f0598d22.jpg

_ كيف تصفين التطور التاريخي للمسرح الكنسي؟

دراستي تنسف الفرضية الشائعة التي تنسب ريادة المسرح المصري الحديث إلى يعقوب صنوع وحده لأن الجذور الحقيقية لهذا المسرح بدأت منذ عام 1832 مع وصول الإرساليات خاصة الإنجيلية إلى محافظات الصعيد مثل أسيوط والمنيا حيث استُخدم المسرح كوسيلة تعليمية وتنويرية داخل المدارس الكنسية في البداية كان المسرح وسيلة تربوية لتبسيط النصوص الدينية ثم تطور إلى شكل من أشكال التمثيل الطقسي داخل الكنيسة الأرثوذكسية وبعد ذلك دخل مرحلة النضج الفني الكامل حيث أصبح نصًا دراميًا متكاملًا يستخدم تقنيات الحداثة المسرحية مثل الفلاش باك والتغريب وكسر الإيهام المسرحي وهنا لم يعد المسرح الكنسي مجرد وعظ بل أصبح فنًا حقيقيًا قادرًا على المنافسة والاشتباك مع الواقع.

_ أبرز القضايا الاجتماعية والسياسية التي تناولها المسرح الكنسي؟

المسرح الكنسي في دراستي هو مسرح اشتباك حقيقي لأنه لم يهرب من القضايا الصعبة بل اقتحمها بجرأة شديدة اجتماعيًا تناول قضايا مثل ختان الإناث بوصفه جريمة إنسانية لا مجرد عادة اجتماعية كما ناقش الإدمان باعتباره أزمة نفسية تحتاج إلى احتواء لا إلى إدانة فقط وتعرض لقضايا الطلاق والعنف الأسري والصحة النفسية والأحوال الشخصية محاولًا الموازنة بين العقيدة والاحتياج الإنساني أما سياسيًا فقد ظهرت رمزية واضحة في نصوص مثل مسرحية لوسيا وأنا النور للكاتب مينا عوض حيث تتحول الشخصيات إلى رموز سياسية واجتماعية فشخصية نافي تمثل الاستبداد والقهر بينما تمثل لوسيا النور والمقاومة الروحية كما حضرت القضية الفلسطينية والوحدة الوطنية بوصفهما جزءًا أصيلًا من الخطاب المسرحي الكنسي.

رسائل مقدسة فى محراب الإبداع.. المسرح الكنسى لمسة فنية داخل بيوت العبادة.. مهرجان ضخم وعشرات الفرق وأثر جمالى وروحى بين ملايين المسيحيين.. وهانى رمزى وماجد الكدوانى ولطفى لبيب أبرز الصاعدين من خشبات

_ كيف يختلف المسرح الكنسي المعاصر عن الأسلوب الوعظي التقليدي؟

الفرق الجوهري هو الانتقال من المباشرة الخطابية إلى الجمالية الدرامية الوعظ التقليدي كان قائمًا على التلقين المباشر وإعطاء الإجابات الجاهزة بينما المسرح الكنسي المعاصر يعتمد على بناء الصراع الدرامي وعلى تقديم الشخصية الدينية باعتبارها إنسانًا يواجه الألم والخوف والاختبار في مسرحية لوسيا مثلًا لا تظهر القديسة كرمز جامد أو صورة مثالية بعيدة عن الواقع بل كشخصية درامية حية تمر بالصراع الداخلي والخارجي وتنتصر بالنور كذلك تطورت اللغة من الفصحى الجامدة إلى عامية راقية قريبة من الناس مما جعل الرسالة أكثر تأثيرًا وأتاح للمسرح أن يكون مساحة للفكر لا مجرد منصة للوعظ.

_ ما الدور الذي لعبته الكنيسة المصرية في دعم المسرح كأداة تنويرية؟

الكنيسة لم تكن مجرد جهة داعمة بل كانت الحاضنة الثقافية والمنتج الحقيقي لهذا الفن لم يقتصر دورها على توفير المكان أو التمويل بل استخدمت المسرح كوسيلة تنوير لاهوتي واجتماعي وقدمت من خلاله بديلًا ثقافيًا قادرًا على تشكيل وعي الشباب بدلًا من مواجهة المشكلات الاجتماعية بالمنع أو الخطاب المباشر كانت الكنيسة تقدمها في صورة درامية تجعل المشاهد يرى نفسه داخل العمل وهكذا أصبح المسرح الكنسي رئة يتنفس منها المبدعون داخل المؤسسة الدينية ومساحة تسمح بالحوار بين العقيدة والحياة اليومية بين المقدس والإنساني.

09f5d917ce.jpg

_ كيف تم توظيف الموروث الديني والتاريخي والشعبي داخل العروض المسرحية؟

اعتمد المسرح الكنسي على مثلث إبداعي متكامل الديني والتاريخي والشعبي فالموروث الديني لم يُقدَّم كنصوص جامدة بل أُعيدت قراءته بوصفه رمزًا دراميًا معاصرًا مثل توظيف قصص الأنبياء والشهداء كرموز للصبر والمقاومة والحرية أما الموروث التاريخي فقد ربط بين عصور الاستشهاد القديمة وبين واقع الإنسان المعاصر ليؤكد أن الصراع الإنساني واحد وإن اختلف الزمن.

 أما المفاجأة البحثية فكانت توظيف الموروث الشعبي حيث استلهم المسرح الكنسي فنونًا مثل الأراجوز وخيال الظل والجوالة التي كانت تجوب قرى الصعيد خاصة في أسيوط والمنيا مما جعل العرض قريبًا من الجمهور البسيط وربط بين قداسة الرسالة الدينية وروح الشعبية المصرية.

_ ما العلاقة بين المسرح الكنسي والأحداث الوطنية الكبرى مثل يوليو ويناير؟

المسرح الكنسي كان ذاكرة وطنية موازية لأنه لم يكن منفصلًا عن التحولات السياسية والاجتماعية في مصر بعد ثورة يوليو 1952 ظهرت نصوص تمجد العدالة الاجتماعية والتحرر من الظلم وتتبنى فكرة الكرامة الإنسانية كقيمة مركزية.

 أما قبيل ثورة يناير فقد ظهرت في النصوص نبرة احتجاجية واضحة ففي نهاية مسرحية لوسيا مثلًا تحدث زلزلة عظيمة تبتلع الطاغية نافي وهذه النهاية ليست مجرد حدث درامي بل رمز لانهيار الظلم وبداية التحول هذه الزلزلة في قراءتي البحثية تمثل استشرافًا فنيًا لثورة قادمة وتؤكد أن الكاتب الكنسي كان يقرأ نبض الشارع المصري بوعي عميق.

_ كيف ترين تأثير انتقال أعمال المسرح الكنسي إلى المسارح العامة؟

هذا الانتقال يمثل خروج المسرح الكنسي من الخاص إلى العام ومن الإطار الطائفي المحدود إلى الفضاء الثقافي المصري المشترك عندما تُعرض نصوص مثل أعمال مينا عوض على المسارح العامة فهذا يعني اعترافًا حقيقيًا بقيمتها الفنية لا باعتبارها فنًا دينيًا فقط بل فنًا إنسانيًا وثقافيًا هذا الانتقال ساهم في كسر العزلة الطائفية لأن الجمهور لم يعد يرى العمل بوصفه مسرحًا كنسيًا بل بوصفه مسرحًا مصريًا يناقش قضايا الإنسان والمجتمع وهكذا تحول المسرح الكنسي إلى منصة للمواطنة الثقافية وأثبت أنه أحد الروافد الأصيلة للهوية المصرية الشاملة لا هامشًا خارجها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق