الهدنة بين واشنطن وطهران لم تعد سوى خيط رفيع يوشك على الانقطاع، بعدما دخلت الأزمة الأمريكية الإيرانية مرحلة هي الأخطر منذ سنوات. ومع تصاعد التهديدات المتبادلة وعودة لغة القوة إلى الواجهة، بدا أن المسار الدبلوماسي يتراجع تدريجيًا أمام تصاعد الخطاب العسكري بين الطرفين.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صعد من لهجته، واصفًا الرد الإيراني الأخير على المقترحات الأمريكية بأنه "غبي وسخيف" و"قطعة قمامة"، مؤكدًا أن وقف إطلاق النار بات في أضعف حالاته ويحتاج إلى "جهاز إنعاش ضخم".
كما أشار إلى أن واشنطن مستعدة لتعديل خططها العسكرية والسياسية وفق تطورات الميدان، في تلميح واضح إلى أن الخيار العسكري بات مطروحًا ضمن الحسابات الأمريكية.
وفي المقابل، لم تظهر إيران أي تراجع، بل رفعت مستوى التحدي بإعلان استعدادها لتخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 90% إذا تعرضت لهجوم جديد، بالتزامن مع الكشف عن غواصات عسكرية جديدة واستعدادات ميدانية قالت إنها مخصصة "لكل السيناريوهات".
وبين التصعيد الأمريكي والردع الإيراني، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، في وقت تتراجع فيه فرص التوصل إلى اتفاق سياسي، وتتزايد المخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الطرفين.
ويعكس هذا التصعيد حالة من فقدان الثقة المتبادل، خصوصًا بعد تعثر المفاوضات الأخيرة التي كانت تعول عليها واشنطن لاحتواء الأزمة النووية الإيرانية.
بعد انتظار دام قرابة عشرة أيام، جاء الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية بصيغة اعتبرتها الإدارة الأمريكية خالية من أي التزام واضح بشأن وقف التخصيب أو تقديم ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي.
طهران تعمدت رفع سقف مطالبها وهي تدرك مسبقًا أن الرد الأمريكي سيكون رافضًا، في محاولة لتحسين شروط التفاوض وتجنب تقديم تنازلات مجانية، خاصة في ظل قناعة إيرانية بأن سياسة الضغوط والعقوبات لم تنجح حتى الآن في تغيير مواقفها الاستراتيجية.
ومع تعثر المسار السياسي، بدأت المؤشرات العسكرية تتزايد بشكل لافت.قبل سفره إلى الصين، لمح ترامب إلى إمكانية تنفيذ "عملية عسكرية محدودة"ضد إيران، بينما أكدت وزارة الحرب الأمريكية أن قواتها "جاهزة ومستعدة بالكامل للتحرك إذا لزم الأمر".
في المقابل، ردت طهران برسائل عسكرية مباشرة، معلنة تنفيذ مناورات واستعدادًا لأي "عدوان محتمل"، بالتزامن مع تحذيرات أطلقها مسؤولون إيرانيون من أن أي هجوم سيقابل برد قوي وحاسم.
كما واصلت واشنطن سياسة "الضغط الأقصى"، حيث أعلنت الخارجية الأمريكية عن مكافأة تصل إلى 15 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تعطيل الشبكات المالية التابعة للحرس الثوري الإيراني، في خطوة تعكس استمرار الحرب الاقتصادية والأمنية ضد طهران.
وفي خضم هذا التصعيد، أكد ترامب أن الاتصالات مع الإيرانيين ما تزال مستمرة، لكنه شدد على أن واشنطن "ليست في عجلة من أمرها" للتوصل إلى اتفاق، معربًا عن ثقته بأن إيران ستتوقف في النهاية عن تخصيب اليورانيوم.
الرسائل الإيرانية الأخيرة حملت بدورها تصعيدًا واضحًا،إذ أكد رئيس البرلمان الإيراني أن القوات المسلحة "مستعدة للرد بقوة وحزم على أي اعتداء"،فيما يمثل الكشف عن غواصات "دلافين الخليج"،يمثل رسالة مباشرة تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز وقدرة طهران على حماية مصالحها البحرية في حال اندلاع أي مواجهة عسكرية.
.
أما أحدث التصريحات فجاءت على لسان إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، عندما أعلن أن طهران قد ترفع تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 90% إذا تعرضت البلاد لهجوم جديد، وهي نسبة تقترب من مستوى الاستخدام العسكري.
وأضاف رضائي أن البرلمان الإيراني سيناقش هذا الخيار، ما يعكس اتجاهًا داخل مؤسسات الدولة الإيرانية نحو رفع مستوى الردع النووي في مواجهة التهديدات الأمريكية المتزايدة.
وتحمل هذه التصريحات دلالات تصعيدية واضحة، إذ تشير إلى انتقال الخطاب الإيراني من إطار الرد السياسي إلى مستوى الردع الاستراتيجي المباشر، عبر استخدام ملف التخصيب كورقة ضغط قصوى في مواجهة واشنطن.
كما تعكس في الوقت نفسه أن طهران باتت تربط أي استهداف عسكري محتمل بتغيير جذري في سياستها النووية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويدفع الأزمة نحو مزيد من الانزلاق في حال استمرار التصعيد المتبادل بين الجانبين
ورغم سنوات من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والتهديدات العسكرية، لم تتمكن واشنطن من فرض شروطها بالكامل على إيران، وهو ما دفع دوائر داخل الإدارة الأمريكية إلى إعادة تقييم فعالية استراتيجية "الضغط الأقصى".
الرئيس الأمريكي يدرك خطورة الانزلاق إلى حرب واسعة مع إيران، لما قد تسببه من تداعيات على المصالح الأمريكية وأسواق الطاقة العالمية، لذلك استمر في منح المسار التفاوضي فرصًا إضافية رغم التصعيد المتواصل.
وفي المقابل، تبدو إيران حريصة على عدم منح ترامب انتصارًا سياسيًا مجانيًا، خصوصًا قبل تحركاته الدولية المقبلة، وهو ما يفسر استمرارها في رفع سقف التحدي السياسي والنووي.
ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية غير المباشرة، بحسب ما أكدته الخارجية الباكستانية، فإن المشهد الحالي يشير إلى أن الأزمة دخلت مرحلة شديدة التعقيد.
الولايات المتحدة تواصل تعزيز خياراتها العسكرية، فيما تستعد إيران لكافة السيناريوهات المحتملة، وسط تحذيرات متزايدة من أن أي خطأ ميداني قد يشعل مواجهة واسعة يصعب احتواؤها.
وفي ظل هذا التصعيد المتبادل، لم يعد الخيار العسكري مجرد أداة للضغط السياسي أو ورقة ردع ضمنية، بل بات احتمالًا واقعيًا يزداد حضورًا مع تراجع المسار الدبلوماسي واتساع فجوة انعدام الثقة بين واشنطن وطهران.
ويعكس هذا التحول دخول الأزمة مرحلة أكثر خطورة، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاستعدادات العسكرية، ما يضع الشرق الأوسط أمام منعطف حاد قد تترتب عليه تداعيات واسعة على أمن المنطقة واستقرارها في المرحلة المقبلة.

















0 تعليق