مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير: هبته الشباب الذي لم يفقد بوصلته

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أحد أهم أسباب نجاح مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، الذي احتار البعض في فهم واستيعاب لماذا نجح هو وفشل غيره؟! ولماذا ينجح مهرجان في العموم ولا ينجح مهرجان آخر؟ وما هي الخلطة السحرية؟ المسألة ببساطة تتلخص في (الشباب) المبدع الذي كان وقود هذا المهرجان، بل وهبته، فلا يستطيع أحد التفريق بين رئيس المهرجان أو مديره وأصغر متطوع فيه؛ فجميعهم متطوعون في حقيقة الأمر، وجميعهم مبدعوه وصانعوه بلا ألقاب ولا تراتبية، وبدون حسابات مسبقة أو معقدة، وبدون أية فوقية في التعامل. وكانت تلك السمات من أهم أسباب نجاح المهرجان الذي لا يتصارع مبدعوه أو صناعه بل يتكاتفون ويتكاملون؛ فالمهرجان هو إبداعهم الخالص وصنيعتهم التي أتقنوها بدقة حرفي وحيوية راكب أمواج، وتلك هي خلطة النجاح السحرية التي كان (محمد علي) شاهدًا عليها في مسرحه وأوبراه، وكان (سيد درويش) حاضرًا معهم ومآزرًا لهم في الافتتاح وفي الختام، وهو مهرجان باركته حتمًا (هيباتيا) التي استحضروها ومنحوا جائزة فضية وذهبية باسمها فحلت عليهم بركاتها.

مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير أصاب الهدف وحقق أهدافه؛ فهو مهرجان يعرف إلى أين يسير وإلى من يتوجه، مهرجان يعرف من هو جمهوره المستهدف فتوجه إليهم، وكان على يقين بأن جمهوره سيأتي إليه ولن يخذله وهذا ما حدث. أما من ينظمون مهرجانًا من أجل أن يكون لديهم مهرجان في العموم وفي المطلق، وإن كان بلا جدوى أو فائدة (إضافة)، فتلك من أسباب ومسببات الفشل الذريع! فعندما يسير المهرجان في اتجاه البوصلة ويعرف جيدًا أين بوصلته، تكون النتيجة هي ما شاهدناه مع أول يوم في عروض المهرجان وحتى آخر فعالية فيه؛ فجمهور الإسكندرية تهافت على عروض مهرجانه السكندري بشكل لافت وغير مسبوق بالنسبة لي، وكأنه عرس حقيقي جمع المدينة بأسرها وبمختلف أطيافها وأجيالها لمشاهدة عرس الإسكندرية السينمائي.

لقد رأيت نساءً وربات بيوت ومنقبات وشبابًا وفتيات ورجالًا مسنين وصل عددهم لـ ٢٠ ألف متفرج و(سينيفيل)؛ فالكل كان متعطشًا ولديه شغف بالفنون والسينما والبهجة والانفتاح على الآخر. وتظل أغلبية الحاضرين والمآزرين من الشباب الواعد الفرح بمدينته ومهرجانها الذي استهدفهم فأقبلوا عليه، ولم يحدث ذلك مطلقًا مع مهرجان آخر يقام على نفس الأرض يأتي منظموه من القاهرة ليصنعوا لأنفسهم ولضيوفهم مهرجانًا أو فعاليات واحتفالات، وهذا - ومع الأسف - شأن غالبية (وليس جميع) المهرجانات التي ينظمها قاهريون يذهبون لمدينة أخرى ليقيموا عليها مهرجانًا!

أما هنا فالوضع كان مغايرًا تمامًا؛ فأهل المدينة هم من يصنعون لمدينتهم ولجمهورهم مهرجانًا سينمائيًا خالصًا، صُنع لأهل المدينة بواسطة مبدعين من نفس المدينة، وأهل القاهرة هم من جاءوا لمشاهدة التجربة الناجحة المصنوعة بالكامل بأيادٍ سكندرية وعلى أرض الإسكندرية، وكنت أحد المحظوظين ممن جاءوا من القاهرة لمشاهدة ما يصنعه أهل الإسكندرية وشبابها لمدينتهم، ووجدت أن جمهور الإسكندرية في حاجة ماسة وتعطش حقيقي لاسترداد هويته المستلبة.

فالإسكندرية قد أفقدتها الأصولية والأصوليون المتشددون أفضل ما فيها، ناهيك عن موجات الترييف التي طالت المدينة الاستثناء؛ فالبعد المتوسطي والانفتاح على الآخر سمة معروفة عن المدينة وأهلها قبل الغزو الوهابي السلفي وهجوم التتار الجدد على المدينة الصامدة! فالإسكندرية كمدينة ساحلية ذات تاريخ عريق ومشهود حاولت الأصولية والسلفية التي ترعرعت في عروس الثغر النيل منها حتى فقدت المدينة بوصلتها، وها هي تستعيدها الآن من خلال هذا المهرجان السينمائي الطموح الذي استهدف مدينته وأهلها وبعده المتوسطي، فكان منهم وإليهم.

من فكر فيه ومن خطط له ومن نظمه ومن أشرف عليه ومن رعاه ومن يكمل مسيرته هم شباب الإسكندرية الشغوفون بالفنون وبالسينما، وشباب الجامعات المتطوعون (شباب كلية الإعلام جامعة الإسكندرية) الذين كانوا كخلية نحل متجانسة تعمل بحب وبجدية وبشغف حقيقي وتفانٍ مدفوع بحب السينما وحب المدينة التي سارع أهلها لمساندة مهرجانهم الذي جُعل في الأساس من أجلهم، فكانت عروض وفعاليات المهرجان كاملة العدد رغم غياب النجوم والـ red carpet بمعناها المتعارف عليه؛ فلم تكن هنالك أزياء مثيرة أو صخب ولم تكن هنالك تريندات، فقط عروض سينمائية وورش وماستر كلاس سعى إليها أهل الإسكندرية وشبابها سعيًا حثيثًا في مشهد لافت واستثنائي بل وحضاري مفرح ومشرف لا نراه كثيرًا في مهرجاناتنا التي وصفها سيناريست راحل ورئيس مهرجان سابق بأنها (ما هي إلا افتتاح وختام).

فالمهرجان كان بالنسبة للسيناريست الراحل يتلخص فقط في حفلي الافتتاح والختام والشو والحفلات والنجوم بملابسهم الفارهة والمحطات التلفزيونية التي تقوم بالتسجيل معه ومع ضيوفه، وكأنه عرس خاص به يقيمه في بيته لأصدقائه المقربين! أما جموع الشعب والمدينة فلا يلتفت إليهم، بل عدم وجودهم كان شيئًا مستحبًا بالنسبة له! فهم لا يعنون له شيئًا ولم يكونوا أبدًا في حساباته، هو فقط احتل مدينتهم وبحرها ليقيم حفلًا كبيرًا لأصدقائه وللنجوم الذين يأتون من القاهرة ليروا البحر ويتنزهون في المدينة ومقاصدها التاريخية ومطاعمها الفارهة! هكذا كان الحال حتى تأسس هذا المهرجان منذ ١٢ عامًا ليصحح أوضاعًا مغلوطة امتدت لسنين! وبدأ المهرجان بدون أي صخب وبدون أضواء وبدون الهوس بحضور النجوم، وعامًا بعد عام كبر المهرجان بناسه وبمبدعيه وشكل شراكة مع أهم مهرجان سينمائي للفيلم القصير على مستوى العالم، وأقصد مهرجان (كليرمون فيران) في فرنسا ومهرجانًا آخر في (مدريد)، وتُرشح الأفلام الفائزة في المهرجان لجوائز الأوسكار.

وفي دورة هذا العام، الدورة الـ ١٢، شاهدنا ٨٤ فيلمًا من مصر والعالم العربي والعالم، شاهدنا أفلامًا تسجيلية وأفلام تحريك، وبالطبع يتربع الفيلم القصير على عرش هذا المهرجان. وجاءت النتائج في حفل الختام مرضية للبعض، وكانت هنالك أفلام تستحق ولم تحظَ بجوائز، لذلك كرر أحد أعضاء لجنة التحكيم للفيلم المصري والعربي وأفلام الطلبة، السيد (عبد العزيز الحبسي) من سلطنة عمان، أكثر من مرة عبارة (أن الكل فائز)، فالفوز تحقق بالفعل خلال عروض الأفلام التي تهافت عليها الجمهور لتصبح كاملة العدد، وكانت غالبية الأفلام المشاركة جيدة وأفكارها طازجة ومبتكرة؛ فالفيلم القصير هو مصنع المبدعين والإبداع الحقيقي ومساحة هامة جدًا للتجريب وللأفكار. وفازت مصر بذهبية هيباتيا من خلال فيلم (آخر المعجزات) للمخرج عبد الوهاب شوقي بعد فوزه أيضًا في مهرجان مالمو للفيلم العربي ومهرجان عنابة بالجزائر.

كذلك فيلم التحريك البديع (الليب ورحلة البحث عن التاج المفقود) للمخرج المتميز صائد الجوائز في مهرجان (كان) ومهرجانات مصر المخرج السكندري (سامح علاء)، وفيلم (الحاخام الأخير) للمخرج السكندري (أحمد عصام أبو الريش). وفاز الفيلم اللبناني البديع (سكب القهوة خير) للمخرج المتميز (إليو طربية) في مسابقة الفيلم العربي، كذلك الفيلم السعودي الكوميدي والذي كان حقًا مفاجأة سارة ومذهلة أن نشاهد فيلمًا سعوديًا متقنًا خفيف الظل للمخرج السعودي المبدع الواعد والمتواضع (محمد الزوعري) والذي كان فرحًا وممتنًا وبصدق للمهرجان وجمهوره وللجائزة المستحقة شأنه شأن المخرج اللبناني، وهو ما يعكس بل ويدلل على أهمية هذا المهرجان ليس فقط مصريًا بل وعربيًا كذلك. فاز بتنويه فيلم من تونس هو (المسمار)، وفاز فيلم بلجيكي بجائزة المسابقة الدولية التي ترشح للأوسكار، ومن أفلام الطلبة فاز الفيلم البديع الاستثنائي (من هنا للسما) للمخرجة (ألحان المهدي) والذي لا يمكن بحال التصديق بأن فيلمًا بهذا الاكتمال وبهذا الإتقان وبطرحه لقضية شديدة الحساسية عن الموت وتصورات طفلة عنه أن يكون من أفلام الطلبة أو مشروع تخرج، مما يدل على اختيارات المهرجان الموفقة جدًا للأفلام والعروض وكل فعالياته التي تضعه في مصاف المهرجانات الكبرى والهامة التي تتجاوز حدود المدينة العريقة.

فالمهرجان قد انطلق للعالمية من منتهى الخصوصية وكان الصدق وقوده وطريقه الأكيد للنجاح، مما جعلنا نشعر حقيقة أن السينما بخير وأن الإبداع بخير وأن الأفكار لا تنضب وأن الفيلم القصير يستحق منا الرعاية والعناية، وأن هذا المهرجان حقًا يستحق منا كل الدعم بعد كل ما قدمه من ألق وإبداعات واعدة تضاف لرصيد السينما، وهي أعظم اختراع عرفته البشرية وأهم ما ابتكره الإنسان في هذه الحياة القاسية العبثية، ليس فقط من أجل وعينا أو ذائقتنا بل من أجل إنسانيتنا التي نفقدها في الكثير من الأحيان ونحن نسير على هذه الأرض بتعرجاتها ووعورتها التي جعلت الإنسانية في خطر كبير في ظل ما نشهده من تطاحن وحروب وشرور تصلحها حتمًا السينما القادرة دومًا على إصلاح ما يفسده المفسدون.. وللحديث بقية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق