حكيم «بنى هاشم» فى مواجهة «النجاشى»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وصل عبدالله بن أبى ربيعة المخزومى، وعمرو بن العاص إلى الحبشة، وكلهما تصميم على إعادة المؤمنين الفارين بزعامة جعفر بن أبى طالب إلى مكة، نفذا فى البداية نصيحة حكمائهما، فوزعا على بطاركة النجاشى الهدايا، ولم يتركا واحدًا منهم إلا وأعطياه هدية أرضته وأسعدته، وطلبا منهم أن يؤيدوا ما يطرحانه على «النجاشى» من تسليم الفارين، من دون أن يستدعيهم أو يكلمهم. تهيأ المسرح للقاء العاصف، ووصل عبدالله مع عمرو إلى مجلس النجاشى، ووجها كلامهما إلى الملك وقالا: «إنه قد هرب إلى بلدكم منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم».

ما إن انتهى عبدالله وعمرو من حديثهما حتى بادر البطاركة إلى نصح الملك بأن يسلم هؤلاء الهاربين إلى ذويهم، ولم يكن «النجاشى» ملكًا عاديًا ممن يميل مع بطانته حيث تميل، فلم يلتفت إلى نصيحتهم وطلب استدعاء الجماعة الفارة والاستماع إليها، وربما كان الطرح الذى قدمه عبدالله وعمرو هو السبب فى إشعال رغبة «النجاشى» فى معرفة كل التفاصيل المتاحة عن هذه المجموعة، فقد تحدث الرجلان بأن الفارين آمنوا بدين آخر غير الوثنية التى يؤمن بها أهل مكة، وهم لم يدخلوا فى المسيحية، الدين الذى يدين به النجاشى، وفهم الملك من كلامهما أيضًا أنهم لم يؤمنوا باليهودية، بل جاءوا بدين «مبتدع»، فأثارا فضول «النجاشى» وأراد أن يعرف تفاصيل هذا الدين الجديد الذى دخلوا فيه، فكان أن استدعاهم. 

حضرت الجماعة المؤمنة أمام النجاشى وحوله الأساقفة يحملون أناجيلهم، نظر الملك إلى الشخص الذى يتصدرهم، أميرهم جعفر بن أبى طالب، وسأل: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا فى دينى، ولا فى دين آخر من هذه الأمم؟. تقدم جعفر إلى الملك وأجاب على سؤاله قائلًا: «أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الأرحام ونسىء الجوار، يأكل القوى الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله عز وجل إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله عز وجل، لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنا به فعبدنا الله عز وجل لم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا على ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين قومنا خرجنا إلى بلدك فاخترناك على من سواك ورغبنا فى جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك».

خطاب رفيع المستوى ذلك الذى أسمعه جعفر بن أبى طالب للنجاشى، فقد عرف كيف يرسم للملك صورة عن الحالة التى كانوا عليها كجزء من عرب الجزيرة قبل البعثة، وحالة الانحطاط الحضارى التى كانت تلفهم من جميع أنحائهم، وكان جوهرها الحياة الوثنية التى عاشوها واستسلموا فيها لأصنام صنعوها من الحجارة لا تضر ولا تنفع، ومؤكد أن سفه المعتقد يؤدى إلى سفاهة القيم والأخلاقيات، وذلك ما عبر عنه «جعفر» وهو يصف المنظومة الأخلاقية التى كانوا عليها مقابل المنظومة الأخلاقية الإنسانية التى دعاهم إليها النبى، صلى الله عليه وسلم، تلك المنظومة التى تتحلق حول عبادة الله الواحد الأحد، فالنبى- كما وصف جعفر- جاء بثورة أخلاقية مؤسسة على مفهوم الوحدانية، ومدافعة عن قيم النُبل والإنسانية والسلام، وحين آمن به آحاد من قومه انتفض ضدهم المشركون، وعذبوهم وحاصروهم وطاردوهم فى كجميع الاتجاهات، وها هم يسافرون وراءهم إلى الحبشة حين فروا إلى ملكها مستجيرين به طالبين الأمان فى جواره. 

الأداء الخطابى لجعفر يشهد- أولًا- على صلابته الإيمانية، فقد وقف ثابتًا أمام النجاشى لا يخاف فى الله لومة لائم، ويؤشر- ثانيًا- إلى ما تمتع به من ذكاء وألمعية، حين حدّث النجاشى فى البداية عن حالة الانحطاط الحضارى التى يعيشها العرب، والتى كان النجاشى يدركها جيدًا، وحين أفاض فى وصف المنظومة الأخلاقية التى تحملها رسالة الإسلام، والتى تقترب فى جوانب عديدة منها مع المنظومة الأخلاقية للمسيحية. وقد تأكد الملك من ذلك حين استمع إلى كلام الله، فقد طلب من «جعفر» أن يتلو عليه شيئًا مما أنزله الله عز وجل على نبيه، فقرأ عليه صدرًا من «كهيعص» فبكى النجاشى تأثرًا من الوصف الرائع الذى قدمته الآيات البينات للعذراء البتول الصديقة مريم، وبكى الأساقفة من حوله، توجه النجاشى بعدها إلى عبدالله بن أبى ربيعة المخزومى وعمرو بن العاص قائلًا: والله لا أسلمهم إليكم أبدًا. 

خرج الرجلان غاضبين من بلاط الملك، وفجأة توقف عمرو وقال لرفيقه: والله لآتينه غدًا -أى النجاشى- بما أستأصل به خضراءهم، فقال له عبدالله بن أبى ربيعة وكان أتقى الرجلين: لا تفعل فإن لهم أرحامًا، لكن عمرو لم يسمع له، وفى اليوم التالى أخبر عمرو النجاشى أنهم يقولون فى عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، ويذهبون إلى أنه عبد، فاستدعى الملك «جعفرًا» وسأله ما تقولون فى عيسى بن مريم، فقال جعفر: نقول فيه الذى جاء به نبينا.. هو عبد الله وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.. رضى «النجاشى» بالإجابة وقال لجعفر والذين معه: اذهبوا فأنتم آمنون بأرضى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق