الأحد 17/مايو/2026 - 04:25 م 5/17/2026 4:25:27 PM
شعرت دول الخليج على وجه الخصوص بالقلق، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران، لأنها ستواجه نظامًا إسلاميًا جريحًا وأكثر تشددًا على أعتابها، بمجرد انتهاء الصراع وتقليص الوجود العسكري الأمريكي الكبير في المنطقة.. لذلك، تناقش المملكة العربية السعودية فكرة عقد معاهدة عدم اعتداء بين دول الشرق الأوسط وإيران، كجزء من محادثات مع الحلفاء حول كيفية إدارة التوترات الإقليمية، بمجرد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع الجمهورية الإسلامية.. قال دبلوماسيان غربيان، إن الرياض تنظر إلى عملية (هلسنكي) التي جرت في سبعينيات القرن الماضي، والتي خففت حدة التوترات في أوروبا خلال الحرب الباردة، كنموذج محتمل، إذ تتوقع المنطقة إيران ما بعد الحرب ضعيفة، لكنها لا تزال تشكل تهديدًا لجيرانها.. وأضافا أن معاهدة عدم الاعتداء من بين عدة أفكار قيد الدراسة.
سعت اتفاقيات هلسنكي، التي وقعت عام 1975 من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية والاتحاد السوفييتي وحلفائه، إلى معالجة القضايا الأمنية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين القوى المتنافسة.. وقد تم طرحها سابقًا كنموذج محتمل للشرق الأوسط، حيث ينظر جيران إيران إلى طهران، على أنها قوة مزعزعة للاستقرار وتهديد محتمل منذ الثورة الإسلامية عام 1979.. لكن أشهر الحرب خلقت شعورًا جديدًا بالإلحاح لدى الدول العربية والإسلامية، لإعادة النظر في تحالفاتها وفي الأوضاع الأمنية للمنطقة.
ويفيد دبلوماسيون، بأن العديد من العواصم الأوروبية، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، أيدت الفكرة السعودية وحثت دول الخليج الأخرى على دعمها.. فهم يرون في ذلك أفضل سبيل لتجنب الصراع في المستقبل، ومنح طهران ضمانات بعدم تعرضها للهجوم، في وقت تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات غير رسمية، بشأن اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.. إلا أن المفاوضات ركزت على البرنامج النووي لإيران، وليس على ترسانتها الصاروخية والطائرات المسيرة أو دعمها للحلفاء الإقليميين، وهي قضايا تشكل مصدر قلق رئيسي للدول العربية.
قال دبلوماسي عربي، إن معاهدة عدم الاعتداء المصممة على غرار عملية هلسنكي ستلقى ترحيبًا من معظم الدول العربية والإسلامية، وكذلك من إيران، التي سعت منذ فترة طويلة إلى الإشارة للولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى، أنه ينبغي ترك المنطقة لإدارة شئونها الخاصة، (الأمر برمته يتوقف على الأطراف المتورطة.. ففي ظل الظروف الراهنة، لن يكون من الممكن تحقيق تقارب بين إيران وإسرائيل.. فبدون إسرائيل، قد يكون الأمر عكسيًا، لأنهما يُنظر إليهما، بعد إيران، على أنهما أكبر مصدر للصراع.. لكن إيران باقية، ولهذا السبب يسعى السعوديون جاهدين لتحقيق ذلك).
لم تجن دول الخليج من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، إلا برد طهران بإطلاق وابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة على هذه الدول، مستهدفةً منشآت الطاقة وغيرها من البنى التحتية المدنية، ما أدى فعليًا إلى إغلاق مضيق هرمز.. وقد أبرز ذلك تهديدها المحتمل لجيرانها الأصغر حجمًا.. وقد ازداد قلق بعض الدول العربية والإسلامية إزاء السلوك العسكري الإسرائيلي، في أعقاب هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023.. ولا تربط العديد من هذه الدول علاقات رسمية مع إسرائيل.. ويتهمون رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بجر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى حرب عارضوها بشدة.. وتنظر دول عربية وإسلامية عديدة إلى إسرائيل بشكل متزايد، كقوة عدائية ومزعزعة للاستقرار، إذ تواصل شن هجمات على حزب الله في لبنان وحماس في غزة، فضلًا عن احتلالها أجزاءً من جنوب سوريا.
لكن، توجد انقسامات بين الدول العربية والإسلامية ـ لا سيما بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما الدولتان الأكثر نفوذًا في الخليج ـ بسبب الرؤى المتضاربة للمنطقة والمنافسة الاقتصادية.. كانت الإمارات العربية المتحدة أكثر دول الخليج تشددًا تجاه إيران خلال الحرب، وانتقدت المؤسسات العربية لعدم اتخاذها موقفًا أكثر حزمًا في مواجهة العدوان الإيراني.. وقد أوضحت أنها تعتزم، في أعقاب الحرب، تعزيز علاقاتها مع إسرائيل.. لذلك، فإن التساؤل الآن، عما إذا كانت الإمارات العربية المتحدة ستكون مستعدة للانضمام إلى أي ترتيب في المنطقة، خصوصًا وأن السعودية ودول خليجية أخرى أبدت دعمًا أكبر لجهود الوساطة التي تقودها باكستان، للتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب.. وتُعدّ المملكة جزءًا من تحالف متنامٍ مع باكستان ـ التي وقّعت معها اتفاقية دفاع مشترك في سبتمبر الماضي ـ وتركيا ومصر.. ويقول الدبلوماسيون، إنه على الرغم من عدم وجود تحالف رسمي بين هذه الدول، فمن المرجح أن تعمل على تعميق التعاون في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد في أعقاب الحرب، إذ قال وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، إن إسلام آباد وضعت مقترحًا لانضمام قطر وتركيا إلى الاتفاق الدفاعي السعودي ـ الباكستاني، لبناء (تحالف اقتصادي ودفاعي، من شأنه تقليل الاعتماد على خارج المنطقة).. وقال مسئول باكستاني، إن فكرة توسيع معاهدة الدفاع طُرحت لأول مرة قبل الحرب.
●●●
على العكس من ذلك، حاولت الإمارات العربية المتحدة، كما تقول وكالة (بلومبرج)، إقناع الدول المجاورة، بما في ذلك السعودية وقطر، بالمشاركة في رد عسكري منسق على ضربات إيران، لكنها شعرت بالإحباط عندما رفضت الدولتان ذلك، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر.. إذ أجرى رئيس الإمارات، الشيخ محمد بن زايد، سلسلة من المكالمات مع زملائه القادة الخليجيين، بمن فيهم ولي عهد السعودية، الأمير محمد بن سلمان، بعد فترة وجيزة من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل بقصف إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.. حيث يقول البعض، أن الشيخ محمد بن زايد، مقتنع بالحاجة للرد كمجموعة لردع إيران، بينما ردت الجمهورية الإسلامية على الهجمات الأمريكية ـ الإسرائيلية، بإطلاق مئات الطائرات المسيرة والصواريخ على دول الخليج.. إذ استهدفت طهران الموانئ والمطارات، بالإضافة إلى الأبراج السكنية والفنادق في جميع أنحاء المنطقة.. كما أغلقت طهران مضيق هرمز الحيوي تقريبًا، مما أجبر دول الخليج على الحد من إنتاج النفط والغاز الطبيعي وأضر بأموالها.
وبينما اختار الشيخ محمد بن زايد بسرعة العمل مع إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والإسرائيليين، أخبره نظراؤه العرب الخليجيون أن هذه ليست حربهم، وفقًا لشخص مطلع على تفكير أبو ظبي.. وتدهورت العلاقة المتوترة بالفعل بين الإمارات والسعودية نتيجة لذلك.. وخلال الاتصالات، ذكر رئيس الإمارات نظراءه بأن مجلس التعاون الخليجي، وهو هيئة مكونة من ست دول، تأسس عام 1981 تحديدًا بسبب التهديدات التي شكلتها الثورة الإسلامية الإيرانية قبل عامين من ذلك التاريخ.. كان نهج السعودية هو التركيز على الردع والدفاع، منفصلين عن الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، واعتبرت موقف الإمارات تصعيدًا، وفقًا لمسئول مطلع على مداولات الحكومة في الرياض.. وشنت الإمارات هجمات محدودة ضد إيران دون دعم من الخليج، بدءًا من أوائل مارس ومرة أخرى في أبريل.
تساعد التفاصيل التي لم يتم الإبلاغ عنها سابقًا، في تفسير غضب الإمارات من الدول العربية الأخرى، والذي بلغ ذروته بقرارها الكبير أواخر أبريل بمغادرة منظمة أوبك، بالإضافة إلى علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل.. إذ صدمت أبو ظبي عالم النفط بإعلانها مغادرتها أوبك، وهي المنظمة الذي تقودها السعودية، وتراجع عضويتها في الهيئات الإقليمية بما في ذلك مجلس التعاون الخليجي.. بعيدًا عن الاحتكاكات التي سببتها حرب إيران، فإن الإمارات والمملكة منافستان اقتصاديًا، وكانت على خلاف حول النزاعات في اليمن والسودان.
أصبحت الإمارات العربية المتحدة، التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل كجزء من اتفاقيات إبراهيم التي توسطت بها الولايات المتحدة في 2020، الدولة الأكثر استهدافًا من إيران خلال الحرب، التي كانت في حالة هشة من وقف إطلاق النار منذ الثامن من أبريل.. أطلقت طهران ما يقرب من ثلاثة آلاف طائرة مسيرة وصاروخ على الإمارات قبل الاتفاق على الهدنة، ورغم أن الغالبية العظمى تم اعتراضها بواسطة نظام دفاع جوي متعدد الطبقات. فقد. أرسلت طهران المزيد من القذائف الأسبوع قبل الماضي، وضربت ميناء النفط الرئيسي في الفجيرة.. كذلك، تعرضت قطر والكويت والبحرين والسعودية وعمان جميعها لهجمات منتظمة، بما في ذلك منشآت الطاقة.. وقد تسببت ضربة واحدة على محطة الغاز الطبيعي المسال القطرية في أضرار بمليارات الدولارات، وستستغرق سنوات لإصلاحها، وفقًا للحكومة القطرية.
ومع ذلك، شعرت قيادة الإمارات، أنه لا توجد دولة في الخليج تعاني من نفس حجم الهجمات كما تعرضت له إماراتها.. وعملت الإمارات بشكل مكثف، على الكشف المبكر واعتراض الهجمات الإيرانية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الأهداف داخل إيران.. أجرى الشيخ محمد بن زايد مكالمة هاتفية نادرة مع رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، هذا الشهر، وفقا للحكومتين.. وقال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هوكابي، في وقت سابق من الأسبوع الماضي، إن إسرائيل أرسلت بطاريات دفاع جوي من القبة الحديدية إلى الإمارات، إلى جانب أفراد لتشغيلها.. كما اختارت السعودية ضرب إيران في مارس، ثم تحولت الرياض إلى جعل باكستان تتوسط بين الولايات المتحدة وإيران.. الإمارات كانت محبطة، لأنها لم تُستشر بشكل كاف بشأن الجهود الدبلوماسية التي تقودها باكستان.. رفضت أبو ظبي مد فترة قرض بقيمة ثلاث مليارات دولار لإسلام آباد في أوائل أبريل، وتدخلت السعودية لاحقًا لمساعدة الدولة الآسيوية في سداد جزء من المال.
فكرت قطر في الرد بعد أن ضربت إيران رأس لفان، أكبر مصنع للغاز الطبيعي المسال في العالم، في منتصف مارس.. وفي النهاية، قررت الدوحة عدم اتخاذ هذه الخطوة، مفضلة لعب دور في تهدئة التصعيد.. واختارت البحرين والكويت، اللتان تعملان عادة بانسجام مع السعودية، البقاء خارج الصراع، وكذلك قررت عمان أن تنضم لهم، نظرًا لعلاقاتها الأقرب مع إيران.. وكانت إدارة ترامب على علم بالمداولات التي تقودها الإمارات في الخليج، وأرادت من السعوديين والقطريين الانضمام إلى رد عسكري منسق، إلا أن تلك الدول الخليجية الثلاث، حاولت ثني ترامب عن بدء الحرب من جديد، خوفًا من أن تهاجمها إيران، وتهاجم القواعد الأمريكية التي تستضيفها، بعد أن عملوا في السنوات القليلة الماضية، على تحسين العلاقات مع إيران، على أمل أن يحقق ذلك الاستقرار في المنطقة، ويعزز الاستثمار في اقتصاداتهم.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.


















0 تعليق