فاضح «الإرهابية»... مختار نوح.. المفكر الذى شفاه الله من «الإخوان» فكشف عورتها

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قضى نوح ٢٥ عامًا داخل جماعة الإخوان، متنقلًا بين مستوياتها، قريبًا من تفاصيلها، شاهدًا على ما يجرى فى الخفاء وفى العلن، ولم يخرج من التجربة كما دخلها، بل خرج مثقلًا بأسئلة، وتجربة قاسية حاول أن ينقلها بصدق، كاشفًا- من وجهة نظره- عن فجوة عميقة بين ما يُقال فى العلن، وما يُدار خلف الأبواب المغلقة.

كان نوح باحثًا عن العدالة، وليس عن التنظيم، فلم يندفع إلى الجماعة خلال سنوات الجامعة، بل تأخر قراره سنوات، وكأنه كان يمنح نفسه فرصة للتفكير قبل أن يختار طريقه.

٥ سنوات بعد التخرج قضاها فى حالة بحث صادق، عن دور يمكن أن يلعبه، وعن فكرة ينتمى إليها، فى مجتمع كان يضج بأسئلة العدالة والكرامة، خاصة فى أعقاب حرب أكتوبر ١٩٧٣.

لم يكن يبحث عن تنظيم بقدر ما كان يبحث عن معنى، فحين التقى عمر التلمسانى المرشد الثالث للجماعة، بدا له أن هذا البحث قد انتهى. وجد مشروعًا متماسكًا، ورجلًا يتحدث بثقة، وأفكارًا تتقاطع مع أحلامه، لم يكن القرار مجرد انضمام، بل كان تعلّقًا بأمل، أمل لم يكن يدرك أن الطريق إليه سيقوده إلى تجربة أكثر تعقيدًا مما تخيّل.

تدرج نوح من شعب الأحياء إلى دوائر اتخاذ القرار داخل الجماعة، فلم يكن عضوًا عاديًا، بل تدرّج سريعًا من شعب الأحياء فى شبرا، إلى القسم السياسى، ثم إلى اللجنة الإعلامية المركزية.

فى البداية، بدا هذا التدرج طبيعيًا، بل مبشرًا، لكنه مع الوقت تحول إلى نافذة واسعة يرى منها ما لم يكن ظاهرًا من قبل.

كلما اقترب أكثر، بدأت الصورة تتغير، ولم يعد التنظيم كما عرفه فى البداية، بل ظهر له وجه آخر، واتضح أن هناك تنظيمًا يعمل فى العلن، وآخر فى السر.

يصف نوح ما اكتشفه لاحقًا، خلال أحد حواراته، بأنه «حقيقة الجماعة»؛ فهناك تنظيم موازٍ يدير الأمور بعيدًا عن الهياكل الرسمية، وهذا الكيان الخفى بدأ منذ عهد حسن البنا، وتطور مع الزمن، وأصبح هو من يحدد مسار التنظيم.

داخل هذا الإطار، برزت أسماء مثل محمود عزت وخيرت الشاطر، كجزء من دوائر مغلقة تتحكم فى القرار. كانت القرارات الحقيقية تصاغ بعيدًا عن الأطر الرسمية، فى مساحات لا يراها الجميع، ولم تكن لحظة الإدراك سهلة، بل كانت كاشفة ومقلقة فى آن واحد.

ومن أكثر ما أثار قلق نوح، كان ما اعتبره حضورًا لفكرة العنف داخل بعض دوائر التفكير، ليس كخيار فورى، بل كأداة مؤجلة. وظهرت فى أحداث ميليشيات الأزهر عام ٢٠٠٦.

ومع أحداث يناير ٢٠١١، ازداد هذا الشعور تعقيدًا، إذ لم يعد يرى المشهد كحراك شعبى فقط، بل كمساحة تتداخل فيها أدوار متعددة، بعضها ظاهر، وبعضها يدار من خلف الستار، لكن ما كان أكثر تأثيرًا عليه لم يكن فقط ما رآه، بل ما لمسه من أفكار.

توقف نوح طويلًا عند تأثير سيد قطب، الذى اعتبره مفتاحًا لفهم كثير من التحولات داخل الجماعة.

لم تكن المسألة مجرد كتب، بل أفكارًا تزرع ببطء، وتعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى المجتمع. مفاهيم مثل «جاهلية المجتمع» و«الحاكمية» لم تعد مجرد نظريات، بل تحولت إلى عدسة يرى بها البعض الواقع.

هذا ما خلق لديه حالة من الحيرة، وتساءل: كيف يمكن الجمع بين خطاب إصلاحى فى العلن، وقناعات أكثر حدة فى الداخل؟

ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة؛ فالقيم التى آمن بها، وجدها تختفى، ولم يتبق سوى صراعات داخلية، وتنافس على النفوذ، واتهامات.

لم تعد المسألة مجرد اختلافات، بل تحولت إلى أزمة داخلية حقيقية. هنا، بدأ يعيد التفكير فى كل شىء.

وجاءت تجربة السجن عام ١٩٩٩ كنقطة فاصلة، فداخل الزنزانة، وبعيدًا عن الضغوط، وجد نفسه أمام نفسه فقط، ٣ سنوات كانت كفيلة بأن تعيد ترتيب أفكاره، وتدفعه لمواجهة الأسئلة التى طالما أجلها. هناك، تبلورت قناعة صعبة: أن الطريق الذى سار فيه لم يعد يشبه القيم التى بدأ بها.

ولم يكن الخروج من الجماعة قرارًا سهلًا، لكنه جاء بعد ربع قرن من العمر، ومن علاقات، ومن التاريخ، كلها كانت أثقالًا على هذا القرار. لكن كما روى كان البقاء أكثر كلفة.

اختار أن يخرج، رغم أنه واجه ضغوطًا، ومحاولات للتشويه، لكنه تمسك بقراره، واختار أن يتحدث، ليتحول من عضو إلى شاهد، فبعد خروجه، لم يختف، بل كتب وتحدث وشارك فى الندوات، محاولًا نقل ما عاشه، ليحذر الآخرين من الوقوع فى نفس الفخ.

لم يعد الأمر شخصيًا، بل أصبح معركة وعى، فلم تكن قصة مختار نوح مجرد حكاية انتماء وخروج، بل رحلة إنسان بحث عن معنى، فدخل تجربة معقدة، ثم خرج منها محمّلًا بأسئلته، ليبقى صوته جزءًا من رواية أكبر، تكتب دائمًا بأصوات من عاشوا داخلها، ثم قرروا أن يرووا ما رأوه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق