الأربعاء 29/أبريل/2026 - 01:27 م 4/29/2026 1:27:17 PM
حادثة “بواب فيصل السمسار” يمكن وصفها بأنها صفعة تكشف وجهًا قبيحًا اعتاد البعض التعايش معه حتى صار وكأنه أمر طبيعي، ما حدث مع الطبيبة من تهديد صريح بالذبح والخطف لأنها رفضت دفع 75 ألف جنيه نراه جريمة مكتملة الاركان وتجسيد فاضح لثقافة بلطجة متجذرة في بعض زوايا الحياة اليومية.
لنكن أكثر وضوحًا ما يُسمّى ببعض “البوابين” و”السماسرة” و”السياس” في الشوارع، ممن يعملون دون أي ترخيص أو غطاء قانوني، تحوّلوا في كثير من الحالات إلى سلطة موازية تفرض الإتاوات وتتعامل مع المواطنين بمنطق القوة لا الخدمة، هؤلاء لا يقدمون عملًا مشروعًا بقدر ما يفرضون واقعًا قسريًا، عنوانه “ادفع أو ادخل في مشاكل”.
طريقة التعامل التي يتبناها البعض منهم ليست مجرد تجاوزات فردية، بل سلوك قائم على الترهيب والاستقواء، نبرة الصوت العالية، الألفاظ الخشنة، التهديد المبطن أو المباشر، ومحاولات فرض السيطرة على الشارع أو العقار، كلها ممارسات تعكس عقلية تعتبر المواطن فريسة سهلة، لا صاحب حق، وتستند إلى يقين خطير بأن لا أحد سيحاسب.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من السلوك لم يعد استثناءً، بل أصبح مألوفًا إلى درجة أن كثيرين يدفعون “بالرضا القهري” لتجنب الاحتكاك، وكأننا أمام نظام غير مكتوب ومن يعترض يدفع الثمن، هذا ليس مجرد خلل، بل اختطاف فعلي للمساحات العامة وحقوق الناس، وتحويلها إلى ساحة نفوذ تُدار بمنطق الغلبة لا القانون.
ولا يمكن هنا تجاهل المسؤولية الصريحة لموظفي الأحياء في منظومة الحكم المحلي، الذين يرون هذه الفوضى يوميًا، تمر أمام أعينهم، وتحت نوافذ مكاتبهم، ثم لا يحدث شيء، الصمت في هذه الحالة ليس حيادًا، بل تواطؤ غير مباشر يمنح هذه الممارسات فرصة للاستمرار والتجذر، كيف يمكن ل سايس أن يحتل شارعًا كاملًا، أو سمسارا يفرض إتاوة علنية، أن يفعل ذلك دون أن يلحظه جهاز إداري كامل؟ ولماذا لا تتحرك الحملات إلا بعد وقوع الكارثة وتحوّلها إلى قضية رأي عام؟
لا يمكن تبرير هذه الممارسات تحت أي لافتة، لا “أكل عيش” ولا “ظروف” أكل العيش لا يكون بالتهديد ولا بابتزاز الناس ولا بفرض السيطرة بالقوة، الفارق شاسع بين عمل منظم تحكمه قواعد واضحة، وبين فرض إتاوة تحت غطاء خدمات وهمية، ما يحدث في بعض الشوارع هو اقتصاد ظلٍّ منفلت، يعيش على غياب الردع، ويتغذى على خوف الناس وصمت المسؤولين.
والنتيجة؟ مواطن يشعر أنه غريب في بيته، مهدد في شارعه، ومضطر للدفع كي يتجنب الأذى، هذا وضع لا يمكن قبوله، ولا يجب التعايش معه، لأن السكوت عليه لا يجعله أقل خطورة، بل يمنحه شرعية زائفة ويشجعه على التمدد، حتى يصبح الاعتراض نفسه مخاطرة.
النقد هنا ليس موجّهًا لكل من يعمل في هذه المهن، بل لمن حوّلها إلى أداة بلطجة. لكن في الوقت نفسه، فإن ترك المجال بلا تنظيم حقيقي ولا رقابة صارمة، جعل السيئ هو الصوت الأعلى، وترك المواطن وحيدًا في مواجهة واقع مفروض عليه.
استعادة الانضباط لن تأتي بالمصادفة، بل بقرار واضح إنهاء هذه الحالة الرمادية التي لا هي قانون ولا هي فوضى كاملة، بل مزيج خطير بين الاثنين، لا بد من حضور حقيقي للدولة في الشارع، لا يكتفي برد الفعل، بل يسبق الجريمة بتنظيم ورقابة وحزم، فالقانون حين يتأخر، تملأ الفراغ أصوات البلطجة.
إن القاهرة لا تستحق أن تُختزل في هذا المشهد القاسي، ولا أن تُدار شوارعها بمنطق الإتاوة والهيمنة، استعادة الأمان ليست شعارًا، بل مسؤولية. تبدأ من مواجهة صريحة مع هذه الممارسات، ومحاسبة من يمارسها، ومن يتغاضى عنها على حد سواء. فحين يرى المواطن أن القانون حاضر لا غائب، وأن الشارع ليس مباحًا لمن يفرض نفسه بالقوة، عندها فقط يمكن أن نستعيد مدينة تُشبهنا… لا مدينة نخشى السير فيها.


















0 تعليق