في زمنٍ تتسارع فيه الحكايات وتتشابك فيه الأصوات، يظل الأدب الحقيقي يحتفظ بمكانته لدي محبي الإبداع الأدبي، ولا تزال تستحوذ القصص على خيال القراء من كل صوب وحدب، ومن هنا يبرز اسم د. محمد عبد السلام أبو خزيم، الحاصل علي جائزة إحسان عبدالقدوس عن قصته "الرجاء المستحيل". كما صدرت له السردية القصصية "حكايات وفاء".
وفي هذا الحوار، نقترب أكثر من عالمه الإبداعي، وما دفعه لكتابة هذه الأعمال الأدبية.
حازت قصتك القصيرة الرجاء المستحيل جائزة إحسان عبدالقدوس الأدبية في مجال القصة القصيرة لعام ٢٠٢٦. صف لنا شعورك؟
سعيد بحصولي على الجائزة، وقصة (الرجاء المستحيل) تدور حول شخصية تعيش حالة انتظار ممتد، لكنها تصطدم في كل مرة بعائق يجعل الرجاء يبدو مستحيلا، وهو ما يفرض توترا داخليا متصاعدا طوال السرد، ويجعل هناك لحظات إنسانية شديدة الحساسية تتقاطع فيها الرغبة في الحصول على الشيئ مع عدم القدرة لأسباب خارجة، ويتقاطع الرجاء مع حدود الواقع، وقد اعتمدت في بنائها على التصعيد التدريجي للأحداث.
وماذا تعني لك جائزة إحسان عبدالقدوس؟
جائزة إحسان عبد القدوس الأدبية في مجال القصة القصيرة، هي ما حفزتني للاستمرار في تطوير أدواتي السردية، وكانت دافعا لإخراج السردية القصصية "حكايات وفاء".
كيف ولدت فكرة السردية القصصية "حكايات وفاء"؟
الفكرة لم تأتِ دفعة واحدة، بل تراكمت عبر مواقف حياتية يومية كنت ألاحظها داخل المجتمع منذ فترة طويلة، وشخصية "وفاء" تحديدا تمثل نموذجا إنسانيا مركبا، يجمع بين البساطة والعمق، وكنت حريصا على أن تكون هذه الشخصية قريبة من القارئ بحيث يرى فيها شيئا من واقعه.
لماذا اخترت شكل المتتالية القصصية؟
شعرت أن هذا الشكل يمنحني حرية أكبر في التقاط لحظات إنسانية ومواقف حياتية متعددة دون التقيد بخط سردي واحد.. فكل حكاية تروي موقفا أو أكثر، لكنها في الوقت نفسه جزء من نسيج أوسع، وهذا ما يناسب طبيعة الحكايات.
تتكون المجموعة القصصية من إحدى وعشرين حكاية.. حدثنا عن هذه التجربة أكثر
بالفعل تتكون حكايات وفاء من إحدى وعشرين حكاية، تتجاور الحكايات وتتكامل عبر شخصية رئيسة، وتدور الأحداث في إطار مكاني وزماني محدد؛ وتجمع بين تعددية الحكايات ووحدة التجربة الشعورية، وتشكّل بنية سردية من خلال المواقف المتعددة لشخصية (وفاء) مع المحيطين بها في التعاطي مع المقتضيات الواقعية الاجتماعية.
إلى أي مدى يعتمد العمل على الواقع؟
يمكن القول إن العمل مستوحى من الواقع بشكل كبير، لكنه ليس تسجيلا حرفيا له، أنا كتبت انطلاقا مما أشاهده من سلوكيات بشرية في المجتمع، لكنني أعدت تشكيل الشخصيات فنيا بما يخدم البناء السردي.
كيف بنيت شخصية "وفاء"؟
حرصت على أن تكون شخصية ديناميكية، تتطور مع الأحداث، وتعكس تحولات داخلية وخارجية.. لم أردها مثالية بصورة مطلقة، بل إنسانية تحمل بعض التناقضات، لأن هذا ما يجعلها قابلة للتصديق، فهي شخصية عفوية تمزج بين الطيبة والوعي المجتمعي، وتقدم صورة من صور الترابط الأسري نراها كثيرا في الواقع للابنة والأم والزوجة.
هل تفضل التلميح إلى رسالة واضحة في أعمالك الإبداعية أم لا؟
لا أكتب برسالة مباشرة، لكن يمكن القول إن العمل يحاول التأكيد على أهمية التماسك الإنساني داخل الأسرة، وفهم التحولات والمواقف الصادرة عن الطبائع البشرية المتنوعة التي نشاهدها، دون فقدان القيم الأساسية.
وفي العمل ركزت على كتابة نص صادق، لكن يبدو أن قرب الموضوع من الناس ساعد على هذا الاهتمام، وأعتقد أن العامل الأهم هو أن العمل يتناول قضايا يومية يعيشها الناس، مثل العلاقات الأسرية والتحولات الاجتماعية، وأنه يحوي عددا من المواقف الفكاهية المتنوعة دون تكلف، وعندما يشعر القارئ أن النص يشبهه يتفاعل معه.
تناولت حكايات وفاء العلاقات الإنسانية في أكثر من سياق... كيف عكست الحكايات الفجوات الجيلية سواء داخل الأسرة أو في بيئة العمل؟
الفجوة الجيلية كانت حاضرة إلى حد كبير، لأنني أرى أنها جزء طبيعي من أي مجتمع يتطور. حاولت أن أقدمها من خلال مواقف حياتية داخل الأسرة وبيئة العمل، حيث تختلف الرؤى بين الأجيال في أسلوب التفكير والتعامل مع المسؤوليات والتكنولوجيا وحتى مفهوم النجاح نفسه.
في (حكايات وفاء) حاولت أن أعكس هذا التباين من خلال مواقف يقتضيها السرد، دون تكلف، سواء بين الآباء والأبناء أو بين الزملاء في العمل. ولم أقدّم هذه الفجوات كصدام دائم، بل كحالة من الشد والجذب التي قد تتحول إلى مساحة للتفاهم إذا توفرت الرغبة في الحوار، ما يهمني كان إظهار أن الاختلاف بين الأجيال ليس مشكلة في حد ذاته، بل طريقة التعامل معه هي التي تحدد إن كان سيؤدي إلى صراع أم إلى تكامل.
وختاما.. ما رأيك في تحويل الحكايات إلى عمل درامي؟
الفكرة عرضها النقاد المشاركون في ندوة نقدية لمناقشة السردية القصصية في بيت السناري هذا الأسبوع، مستندين على أن حكايات وفاء تحمل في داخلها بنية درامية واضحة، وهو ما يجعلها مؤهلة لأن تتحول إلى عمل درامي ناجح، فالحكايات تمس العلاقات الأسرية والقيم الاجتماعية والتحديات اليومية، وهي عناصر تمثل جوهر الدراما التي تلامس وجدان الأسرة المصرية، كما أكد النقاد أن اللغة السردية الثرية والمواقف الحياتية الواقعية والطرائف الفكاهية العفوية الواردة في هذه الحكايات تسهّل عملية تحويل النص إلى سيناريو بصري جذاب، يخاطب الأسرة المصرية، ويعيد إليها دفء الحكايات.
















0 تعليق