«هى» حكاية ملهمة تحتفى بمسيرة إيمان كريم الإنسانية وقوتها فى مواجهة الإعاقة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الثلاثاء 28/أبريل/2026 - 08:23 م 4/28/2026 8:23:06 PM

جريدة الدستور

فى إنجاز جديد للسينما المصرية، فاز الفيلم التسجيلى «هى» للمخرج عاطف شكرى، إنتاج المركز القومى للسينما، بجائزة أفضل فيلم توثيقى فى مهرجان Golden Femi Film ببلغاريا.

يقترب الفيلم بهدوء وصدق من مسيرة الدكتورة إيمان كريم، بوصفها نموذجًا إنسانيًا ملهمًا فى مواجهة الإعاقة، حيث يعيد تعريف مفهوم الإلهام والقدرات الكامنة فى النفس البشرية، وكيف يستطيع الإنسان- عبرها- إعادة صياغة الممكن. ويتناول العمل محطات بارزة فى حياة د. إيمان كريم التى تعرضت لحادث أليم فى سن الثالثة عشرة أدى إلى إصابتها بشلل رباعى، فتحوّل جسدها من فاعل متحرك إلى ساكن. غير أن هذه اللحظة التى بدت نهاية، كشف الفيلم عن كيف كانت بداية لمسار أكثر عمقًا وتعقيدًا.

ورغم الإصابة، أصرت إيمان كريم على استكمال تعليمها، فحصلت على درجتى الماجستير والدكتوراه، وتولت مناصب بارزة بينها المشرف العام على المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة، وعضو مجلس إدارة نادى الصيد لدورتين متتاليتين، إلى جانب عملها كأستاذة للغة الألمانية بكلية اللغات والترجمة، فضلًا عن إسهاماتها الممتدة فى العمل المجتمعى والخيرى.
الفيلم من إخراج عاطف شكرى، وموسيقى راجح داوود، وتصميم البوستر للفنان هيثم الباجورى.

كنت محظوظة بمشاهدة هذا الفيلم والتعرف على تلك المسيرة الإنسانية الملهمة، فقد قدم المخرج عاطف شكرى عملًا يميّزه بالأساس صدقه، وحضوره الإنسانى الطاغى دون افتعال أو خطابية، حيث يبنى الفيلم سرده على فكرة محورية شديدة الذكاء وهى دوائر الدعم.
دوائر تتسع وتضيق، يتبدل فيها الموقع بين المركز والهامش، بين مَن يتلقى الدعم ومَن يقدّمه، فربما يظن البعض أن مركز هذه الدوائر هو د. إيمان كريم، وهى مَن تتلقى الدعم لكننا نكتشف وبنعومة وعبر شهادات أقرانها وأمها وتلاميذها، أن إيمان كريم هى نفسها دائرة دعم كبيرة لمن حولها.
يتتبع الفيلم هذه الدوائر منذ لحظة الحادث التى حوّلتها من فتاة صغيرة تمارس الرياضة وتتميز بالحيوية والنشاط إلى شخص من ذوى الإعاقة يمكث على كرسى متحرك، لا يدرك بعد كيف سيواجه العالم.
كل ما يدركه أن هذا الكرسى منحه فرصة الحركة ورؤية الحياة والبشر بعد ٥ أشهر لبث فيها على السرير لا يرى سوى سقف غرفته، وبتتبع الرحلة نرى كيف استطاعت إيمان كريم على كرسيها المتحرك أن تعيد بناء ذاتها والعالم من حولها.
الدائرة الأولى كانت العائلة، والأم تحديدًا، التى لم تتوانَ عن فعل كل ما يمكن لمساندة ابنتها. لكن الفيلم لا يكتفى بتقديم العائلة كحاضنة، بل يكشف عن إيمان كريم ذاتها، التى سمحت طبيعة شخصيتها فى تلك الفترة أن تشكل دائرة دعم لنفسها ولأسرتها، عبر تقبلها، ورضاها، واستجابتها المرنة لرحلة التأهيل الجسدى والنفسى التى خاضتها فى إنجلترا.
دائرة التعليم.. من المدرسة إلى الجامعة
تتشكل دائرة دعم محورية أخرى داخل فضاء التعليم، حيث تبدو المدرسة بوصفها الأساس الأول لفكرة الدمج، كحق طبيعى، حيث أصرت مديرة المدرسة، وقتها، على حضور إيمان كريم إلى فصلها الدراسى على كرسى متحرك، وعلى اندماجها الكامل مع زميلاتها، فى تجربة مبكرة أسست لمعنى القبول، وكشفت عن أن الإعاقة لا تعيق التعلم، بقدر ما تعيقه نظرة المجتمع المقصورة.
ومع تطور المسار، تمتد هذه الدائرة بسلاسة إلى الجامعة، التى لم تكن قطيعة مع ما سبقها، بل استكمالًا طبيعيًا له. لذا جاء اختيار إيمان كريم لقسم اللغة الألمانية اختيارًا واعيًا وذكيًا، مستندًا إلى بيئة تعليمية مألوفة وداعمة، حيث كان كثير من الأساتذة والطلبة خريجى مدرستها الألمانية. وفى هذا السياق، لا يظهر التعليم كمجرد تحصيل معرفى، بل كمساحة آمنة لاختبار الإمكانات وبناء الثقة.
ويرصد الفيلم هنا، عبر شهادات زميلاتها فى الفصل والجامعة، كيف شكلت إيمان كريم لنظرائها بل ولأساتذتها مصدرًا للإلهام الحقيقى، عبر تحديها للظروف التى مرت بها وتفوقها الأكاديمى، ثم بحصولها على الماجستير والدكتوراه، وهنا يبدأ الفيلم فى بلورة رسالة وفكرة تنبنى وتتعمق تدريجيًا عبر أحداث الفيلم وهى أن القدرة على الفعل والإبداع لا تتطلب قدرات جسدية، بقدر ما تتطلب إيمانًا بالذات وطاقة داخلية، وقدرة على الحلم. 
الحب.. حين يصبح الكرسى المتحرك قطارًا للسعادة
يصل الفيلم إلى أكثر دوائره حساسية وتأثيرًا فى المتلقى، ألا وهى دائرة الحب، تلك الدائرة التى تصفها د. إيمان كريم بوصفها الدائرة الحاضنة، والنقطة المفصلية فى حياتها.
فلم يكن لقاؤها بكابتن يسرى فى النادى لقاءً تقليديًا على الإطلاق؛ إذ يتوجه إليها مباشرة على كرسيه المتحرك، ويدعوها ببساطة أن تشاركه السباحة فى حمام السباحة. مما تعده جنونًا فى تلك اللحظة، لكنها تقع فى أسر دلالتها: الإقدام، وكسر التوقع، والجرأة التى لا تطلب شفقة ولا تنتظر إذنًا.
أحبت فيه كونه شخصًا غير تقليدى، وأحبت طاقة العطاء، وقدرته اللافتة على التأثير فى جميع من حوله. فى هذه الدائرة، لا يقدّم الفيلم الحب كحكاية رومانسية، بل كفعل حياة، وكقوة قادرة على زعزعة المركز وإعادة تشكيله.
اللافت أن الفيلم لا يتوقف طويلًا عند ما قدّمته إيمان كريم للحبيب، بقدر ما يستدعى باستمرار ما أهداه لها من دعم، وحب، واحتواء، وتشجيع. كأن هذا الحب الكبير كان هو الدائرة السحرية التى ظلت تتوالد وتتسع فى دوائر أكبر فأكبر لتتسع حدودها وتشمل عالمها كله.
شاركنا الفيلم عبر الصور المتتالية، ذكريات هذا الحب النادر وقد تأثرنا جميعًا وامتلأت عيوننا بالدموع حين انتبهنا إلى حساسية هذه العلاقة الملهمة: حبيبان ثم زوجان على كرسى متحرك، علاقة قد لا يتقبلها العالم بسهولة، وبالفعل واجهت إيمان فى البداية رفض الأب، خاصة أن كابتن يسرى كان يكبرها فى السن بفارق كبير.
لكن فى النهاية انتصر الحب وتزوجا واستمر زواجهما ٢٠ عامًا، مؤكدين أن ما يبدو هشًا فى نظر الآخرين قد يكون أكثر العلاقات صلابة وصمودًا، وأن الموت «الذى اختطف الزوج والحبيب» لم ينجح فى أن يهزم حبًا عظيمًا حول الكرسى المتحرك قطارًا للسعادة ورمزًا للعطاء والدعم.
دوائر العطاء.. البطلة مركز العلاقة
تبدأ فى هذه المرحلة دوائر دعم جديدة، لكن على نحو مغاير؛ تتأكد فيها العلاقة التبادلية فى الدعم، حيث تكون د. إيمان كريم هى مركز العطاء، وينتقل الفيلم هنا من تتبع ما حصلت عليه من مساندة، إلى رصد ما قررت أن تمنحه للآخرين، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتجربتها لا رد فعل عليها.
فتأتى مشاركتها فى تأسيس مؤسسة الحسن لدعم ذوى الإعاقة الحركية كأول تعبير واضح عن هذا التحول؛ انتقال من التجربة الفردية إلى الفعل المؤسسى، ثم تتسع الدائرة مع عضويتها فى مجلس إدارة نادى الصيد المصرى، حيث لم يكن الموقع إداريًا فحسب، بل مساحة فعل حقيقى. تمكنت من تصميم أنشطة دامجة للأطفال، والاهتمام بمفهوم الإتاحة، وتعزيز الرياضات التى يمارسها الأشخاص ذوو الإعاقة داخل النادى، بما يحوّل المكان إلى نموذج تطبيقى للدمج.
ويأتى القرار بتكليفها بالعمل فى المجلس القومى للأشخاص ذوى الإعاقة ليضعها فى قلب المسئولية وصناعة القرار، حيث يرصد الفيلم تعاونها مع وزارات مختلفة، وسعيها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب للأشخاص ذوى الإعاقة فى مجالات متعددة تشمل الحقوق والخدمات والسياسات.
يختتم الفيلم بلقطة ذات دلالة رمزية كثيفة: صورة تقدير من الرئيس عبدالفتاح السيسى وهو يحيّى د. إيمان كريم، وهى اللحظة التى اعتبرتها إيمان كريم أعمق أشكال التقدير والدعم التى حصلت عليها.
تقنيات الفيلم.. اللغة الفنية ترسم الحكاية
على المستوى الفنى، يراهن فيلم «هى» على البساطة بوصفها اختيارًا جماليًا واعيًا.
السيناريو لا يصنع ذروة مفتعلة، بل يعتمد على التراكم، واستدعاء الذاكرة، وبناء المعنى عبر التفاصيل الإنسانية الصغيرة. بناء سردى قائم على فكرة الدوائر دون مباشرة، يسمح للأزمنة بأن تتجاور وللتحولات أن تظهر كمسارات ناعمة تسلم بعضها بعضًا. 
واختار عاطف شكرى أن يقدم بطلته من زاوية إنسانية بحتة؛ محافظًا على مساحة دقيقة فلا يصل بالاقتراب حدّ الحميمية ولا يبتعد حدّ البرود. فالكاميرا فى مستوى العين، منحازة للمساواة لا للرثاء، تلتقط التفاصيل الهادئة التى تمنح الحكاية صدقها.
أما موسيقى راجح داوود، فتأتى كعنصر بنائى لا تزيينى؛ موسيقى مقتصدة، شديدة الحساسية، لا تفرض شعورًا بعينه، بل تترك مساحة للتأمل، وترافق التحول الداخلى للشخصية أكثر مما تشرح الحدث.
أما عن البوستر الذى صممه هيثم الباجورى، فقد كان تصميمًا ملهمًا قويًا يضع امرأة قوية على كرسى متحرك تضع كل ما مر خلفها متجهة على كرسيها صوب الشمس.
هكذا، لا يقدّم فيلم «هى» حكاية انتصار على الإعاقة، بل حكاية انتصار بالحياة، فالإلهام هنا لا يتسلل لنا من الإرادة وحدها، بل من الحب، والحلم، والشغف، فتحية لصناع الفيلم وتحية للمركز القومى للسينما لإنتاج هذا الفيلم، فما أحوج مجتمعنا إلى فيلم كهذا يفتح طاقة الأمل ويلهمنا جميعًا.
 

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق