حالة من النشاط والتوهج عاشها الفنان القدير خالد زكي خلال رمضان الماضي، بعدما خطف الأنظار بمشاركته في مسلسل «فخر الدلتا»، العمل الذي أعاد تقديمه بشكل مختلف، جامعًا بين الخبرة الطويلة وروح الشباب، في تجربة إنسانية تحمل الكثير من الدفء والبساطة.
ورغم انتهاء عرض المسلسل منذ أكثر من شهر، لا يزال صداه حاضرًا لدى الجمهور، خاصة لما يحمله من رسائل إيجابية عن الكفاح والأمل، وهو ما انعكس في إشادات واسعة بالدور الذي قدمه زكي، والذي أضاف إلى رصيده الفني الممتد لعقود.
في هذا الحوار، يفتح خالد زكي قلبه لـ«الدستور»، متحدثًا عن كواليس «فخر الدلتا»، وفلسفته في دعم الشباب، ورؤيته للفن، وتأثير اختياراته الفنية على حياته، كاشفًا عن الكثير من التفاصيل الإنسانية في رحلته.
وإلى نص الحوار:
في البداية.. كيف استقبلت ردود الفعل على «فخر الدلتا» بعد انتهاء عرضه؟
الحقيقة أنني كنت سعيدًا للغاية بحجم التفاعل الذي استمر حتى بعد انتهاء عرض العمل، لأن هذا هو المؤشر الحقيقي على نجاح أي عمل فني، أن يظل حاضرًا في وجدان الناس ولا ينتهي بانتهاء حلقاته، «فخر الدلتا» لم يكن مجرد مسلسل يُعرض في موسم وينتهي، بل كان تجربة إنسانية صادقة، تحمل تفاصيل من حياة الناس البسطاء، وتعكس رحلة كفاح شاب من بيئة قريبة جدًا من قلوب المصريين، ما أسعدني أكثر هو أن الجمهور لم يتعامل معه كعمل عابر، بل شعر أنه جزء من حياته اليومية، وهذا بالنسبة لي أهم بكثير من أي أرقام أو نسب مشاهدة.
ما الذي جذبك للمشاركة في «فخر الدلتا» من البداية؟
الذي جذبني في المقام الأول هو الفكرة الإنسانية البسيطة التي يحملها العمل، فنحن أمام حكاية شاب من الدلتا يحلم بأن يصنع لنفسه مستقبلًا مختلفًا، ويخوض رحلة مليئة بالتحديات من أجل تحقيق هذا الحلم. هذا النوع من القصص أؤمن به جدًا، لأنه يعكس واقعًا حقيقيًا نراه يوميًا في المجتمع. إضافة إلى ذلك، الشخصية التي قدمتها كانت تحمل أبعادًا مختلفة، فهي ليست نمطية، بل تمر بتحولات نفسية وإنسانية، وهذا ما أبحث عنه دائمًا في أي دور.
كيف تعاملت مع شخصية رجل الإعلانات الذي يعاني من بدايات الزهايمر؟
الشخصية كانت تحتاج إلى تحضير خاص، لأننا أمام نموذج إنساني حساس، لا يجوز تقديمه بشكل سطحي أو مباشر، وقد حاولت أن أتعامل معها بهدوء شديد، وأن أُبرز التناقض بين القوة التي يظهر بها في عمله، وبين لحظات الضعف التي يمر بها بسبب المرض، فلم نكن نريد أن نقدم الزهايمر بشكل مأساوي فقط، بل حاولنا أن نُظهر جانبًا من الأمل، وأن نقول للناس إن الحياة لا تتوقف، وأن هناك دائمًا فرصة للمواجهة والتعايش.
كيف كانت كواليس العمل مع فريق يضم عناصر شابة في بداياتها؟
الكواليس كانت مليئة بالطاقة الإيجابية، وأنا بطبيعتي أحب العمل مع الشباب، لأنهم يمنحونك حماسًا مختلفًا، كان هناك احترام متبادل بين الجميع، ورغبة حقيقية في تقديم عمل جيد، أنا أؤمن أن الفنان مهما كانت خبرته، يمكنه أن يتعلم من أي شخص، وهذا ما حدث بالفعل.
كيف رأيت التعاون مع الفنان الشاب أحمد رمزي في أولى تجاربه؟
أحمد رمزي ممثل موهوب للغاية، ولديه حضور طبيعي أمام الكاميرا، وهو أمر لا يمكن تعليمه بسهولة، وما أعجبني فيه أنه مجتهد ويستمع جيدًا للنصائح، ولا يتعامل مع نفسه باعتباره نجمًا، بل كفنان في بداية الطريق يريد أن يتعلم، وكنت حريصًا على دعمه، ليس فقط بالكلام، ولكن من خلال التفاعل معه داخل المشاهد، لأن هذا يساعده على التطور، وأرى أنه يمتلك مستقبلًا واعدًا إذا استمر على نفس النهج.
وماذا عن تعاونك مع المخرج هادي بسيوني في بداياته؟
التجربة كانت مميزة جدًا، لأن المخرج الشاب يكون لديه شغف كبير ورغبة في إثبات نفسه، وهذا ما لمسته في هادي بسيوني، كان واضحًا أنه يمتلك رؤية، ويعرف ماذا يريد من كل مشهد، وفي نفس الوقت كان مرنًا في التعامل مع الممثلين، يستمع ويُناقش، وهذا أمر مهم جدًا، وأنا أؤمن أن العلاقة بين المخرج والممثل يجب أن تقوم على الثقة، وهذا ما تحقق في هذا العمل.
إذا ماذا مثل لك «فخر الدلتا»؟
مثل تجربة إنسانية جميلة، أضافت لي الكثير، وأتمنى أن تظل في ذاكرة الناس.
هل ترى أن العمل مع جيل جديد يمثل تحديًا لك؟
على العكس، أنا أراه فرصة للتجدد. الفنان إذا لم يُجدد نفسه ويتعامل مع أجيال مختلفة، سيظل حبيس مرحلة معينة، العمل مع الشباب يُعيد إليك الحماس، ويجعلك ترى الأمور من زاوية مختلفة.
دعمت كثيرًا فكرة مساندة المواهب الجديدة.. من أين جاء هذا الإيمان؟
لأنني ببساطة عشت هذه التجربة، في بداياتي، وجدت فنانين كبارًا يقفون بجانبي ويدعمونني، مثل محمود المليجي وعماد حمدي وغيرهم. هؤلاء لم يبخلوا علينا بالنصيحة أو الدعم، ولذلك أرى أن من واجبي أن أنقل هذه الخبرة إلى الجيل الجديد.
بالانتقال إلى مسيرتك.. لماذا كنت حريصًا على رفض الكثير من الأعمال؟
لأنني كنت أبحث عن القيمة، لا عن الكم، عُرضت عليّ أعمال كثيرة، بعضها كان مغريًا ماديًا بشكل كبير، لكنني رفضتها لأنها لا تُشبهني، وكنت دائمًا أسأل نفسي هل هذا العمل سيضيف لي؟ إذا كانت الإجابة لا، أعتذر فورًا.
هل أثرت هذه الاختيارات على وضعك المادي؟
بالتأكيد، وبشكل كبير، لا يمكن إنكار أنني دفعت ثمن هذه القرارات، خاصة أنني رفضت أعمالًا كثيرة كان يمكن أن تحقق لي دخلًا ماديًا كبيرًا، لكن في المقابل، كسبت شيئًا أهم، وهو احترام الجمهور.
هل مررت بأزمات مادية حقيقية؟
نعم، مررت بفترات صعبة جدًا، واضطررت لاتخاذ قرارات لم تكن سهلة، مثل بيع بعض ممتلكاتي لتجاوز الأزمة، لكنها كانت مراحل ومرت، والأهم أنني خرجت منها متمسكًا بمبادئي.
لماذا لم تفكر في التنازل في تلك الفترات؟
لأنني كنت أؤمن أن التنازل بداية طريق لا نهاية له، إذا قبلت بعمل لا يليق بك مرة، ستجد نفسك مضطرًا لتكرار ذلك، لذلك فضّلت أن أتحمل الصعوبات على أن أفقد ثقتي في نفسي.
كيف ترى العلاقة بين الفن والمال؟
المال مهم، لكن لا يجب أن يكون الهدف الأساسي. عندما يتحول الفن إلى وسيلة للربح فقط، يفقد قيمته، أنا أؤمن أن الفن رسالة، ويجب أن نحافظ على هذه الرسالة.
ما الذي يعنيه لك نجاح العمل؟
نجاح العمل بالنسبة لي هو أن يلمس الناس، أن يشعروا بأنه يعبر عنهم. الأرقام مهمة، لكنها ليست كل شيء.
وكيف تنظر إلى رصيدك الفني؟
أشعر بالفخر، لأنني قدمت أكثر من 360 عملًا، وكل عمل كان اختيارًا واعيًا، قد تختلف درجات النجاح، لكنني لم أقدم عملًا وأنا غير مقتنع به.
هل كان الانتشار هدفًا بالنسبة لك؟
أبدًا، لم يكن هدفي يومًا أن أكون الأكثر حضورًا، بل أن أكون الأكثر صدقًا، وكنت أبحث عن العمل الذي يضيف إلي، حتى لو كان قليلًا، على أن أظهر كثيرًا دون قيمة.
كيف تقضي وقتك بعيدًا عن التمثيل؟
أقضي وقتي مع أسرتي، وهذا أهم شيء بالنسبة لي، بعد سنوات طويلة من العمل، أصبحت أُقدر قيمة اللحظات البسيطة، فحياتي بسيطة جدًا، وأقضي وقتي مع أحفادي، وهذا هو التوازن الذي أحتاجه بعد سنوات من العمل.
ما النصيحة التي تقدمها للشباب؟
أن يتحلوا بالصبر، وأن يعملوا بجد، وألا يجعلوا الشهرة هدفهم الأول، بل الجودة، وأن يضعوا الفن في المقدمة، لا المال، لأن النجاح الحقيقي يأتي عندما تكون صادقًا مع نفسك.
وعلى المستوى الشخصي ما هي أبرز أمنياتك على المستوى الشخصي وحياتك الخاصة بعيدًا عن الفن؟
أتمنى أن يمنحني الله دوام الصحة وراحة البال، وأن تبقى حياتي مستقرة وهادئة بعيدًا عن الضغوط، أكبر أمنياتي أن أعيش في طمأنينة مع أسرتي وأولادي وأحفادي، لأنهم مصدر سعادتي الحقيقي، وأي نجاح فني لا يساوي لحظة راحة معهم، وعلى المستوى الإنساني أتمنى الخير لكل الناس، وأن يظل الفن الذي أقدمه له قيمة ومعنى ويصل بصدق إلى الجمهور.














0 تعليق