قال المستشار رواد حماد، رئيس محكمة الأسرة السابق، إن منظومة قانون الأحوال الشخصية تمثل "جسدًا واحدًا" لا يمكن تجزئته؛ فأحكام الحضانة والرؤية والنفقة والولاية التعليمية والخلع، هي ملفات مترابطة تدور جميعها حول تنظيم العلاقة بين أطراف الأسرة بعد الانفصال، مشددا على أن المعيار الحاكم يجب أن يظل دائمًا هو مصلحة الصغير، بعيدًا عن صراعات "تكسير العظام" بين الطرفين.
أوضح المستشار حماد، للدستور، أن مسألة الحضانة تُنظم حاليًا وفقًا للمادة (20) من القانون رقم 25 لسنة 1929، حيث يمتد سن الحضانة إلى 15 عامًا، ثم يُخيّر الطفل بقرار قضائي، مشيرا إلى أن المقترحات في القانون الجديد تفتح باب النقاش حول اتجاهين؛ الأول ينادي بالإبقاء على السن الحالية دون تخيير، بينما يقترح الآخر خفض السن إلى 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، وهو ما يزال محل دراسة تشريعية.
وفي تطور جوهري، أشار إلى الرؤى الحديثة بخصوص "سقوط الحضانة"؛ حيث يتجه المشرع لتبسيط ترتيب الحاضنين ليصبح الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم في حال سقوط حضانتها (كحالة الزواج من أجنبي)، بدلًا من التدرج التقليدي الذي كان يقدم "أم الأم" و"أم الأب"، وذلك لضمان استقرار الطفل في بيئة والديه الطبيعية.
وحول ملف الرؤية، انتقد المستشار النظام الحالي الذي يحصر اللقاء في 3 ساعات أسبوعيًا بأماكن محددة، مؤيدًا استبداله بنظام "الاستضافة" الذي يتيح للطفل قضاء فترات أطول مع الطرف غير الحاضن تصل إلى عدة أيام شهريًا.
وبالنسبة لمقترح "الرؤية الإلكترونية"، أكد حماد أنها فكرة غير مرجحة كبديل أساسي؛ لأن الرؤية في جوهرها تواصل إنساني ومباشر لا يمكن تحقيقه عبر الشاشات إلا في حالات الضرورة القصوى، وحذر من أن الاتجاه الجديد يميل لتشديد العقوبات على الممتنعين عن تنفيذ الرؤية لتشمل الحبس والغرامة معًا لضمان جدية تنفيذ الأحكام.
بشأن ملف النفقة، طالب المستشار رواد حماد، بوضع حد أدنى ملزم وربط القيمة بنسبة من دخل الأب لضمان واقعية الأحكام. وأكد أن الحكم بالنفقة واجب النفاذ فورًا، حيث يتيح القانون تحريك دعوى جنائية ضد الممتنع بعد إنذاره بـ 3 أشهر، مما يعرضه لعقوبة الحبس (التي قد تتجاوز السنة) والغرامة، وفقًا لتوجيهات النائب العام بتفعيل المادة 293 من قانون العقوبات.
كما شدد على ضرورة تبسيط إجراءات المنع من السفر وترقب الوصول عبر ربطها آليًا بالمنظومة الرقمية فور صدور الحكم لمنع التحايل، داعيا إلى تفعيل إجراءات تجميد الحسابات البنكية والحجز على الأموال والمنقولات إلكترونيًا، لضمان جدية التنفيذ ومنع المدين من التصرف في ممتلكاته حتى الوفاء بحقوق الصغار.
وفي تحول رقمي غير مسبوق، أكد حماد، أهمية الربط الإلكتروني بين المحاكم و14 جهة حكومية وبنك ناصر الاجتماعي. هذا الربط سيتيح تفعيل قرارات "المنع من السفر" وترقب الوصول، وتجميد الحسابات البنكية، ووقف الخدمات الحكومية (كرخص القيادة والتوثيق) للممتنعين عن السداد، حمايةً لحقوق الصغار ومنعًا للتحايل.
وأشار المستشار إلى أهمية تفعيل دور "صندوق تأمين الأسرة" لضمان صرف النفقات بشكل عاجل فور صدور الأحكام، على أن تتولى الدولة تحصيلها لاحقًا. أما عن الولاية التعليمية، فأكد أنها تظل من حق الحاضن لتمكينه من إدارة شؤون الطفل المدرسية، مع اشتراط عدم التعسف أو الإضرار بالطرف الآخر عند نقل الطفل من مدرسة لأخرى.
وفيما يخص "الخلع"، لفت إلى أن تطبيقه الحالي ساهم في رفع معدلات الطلاق بشكل لافت، مما أثر على استقرار الأسرة. وطالب بإعادة تنظيم الخلع وتشديد ضوابطه وإخضاعه لرقابة قضائية أكثر دقة ومحاولات صلح حقيقية قبل الحكم بالتفريق. وأوضح أن الهدف ليس تقييد حقوق المرأة، بل الحفاظ على كيان الأسرة ومنع تفككها لأسباب واهية.
ومن هذا المنطلق، أكد أنه يطالب بإلغاء نظام الخلع بصورته الحالية أو على الأقل إعادة تنظيمه وتشديد ضوابطه بشكل صارم، بحيث لا يكون وسيلة سهلة لإنهاء العلاقة الزوجية، وإنما يخضع لرقابة قضائية أكثر دقة، ومحاولة جادة للإصلاح قبل الحكم بالتفريق، موضحا أن الهدف من هذا الطرح ليس المساس بحقوق المرأة، وإنما الحفاظ على كيان الأسرة ومنع تفككها، مع تحقيق التوازن بين الطرفين وضمان عدم التعسف في استخدام هذا الحق.
اختتم المستشار رواد حماد حديثه بالتأكيد على أن التعديل التشريعي المرتقب يجب أن يكون شاملًا، يوازن بين الردع القانوني والرحمة الإنسانية، مع بقاء مصلحة الطفل الفضلى هي القيمة العليا التي لا يُعلى عليها، لضمان مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.
















0 تعليق