في إطار احتفالات مصر بـ اليوم العالمي للكتاب، نظمت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية برنامجًا ثقافيًا وعلميًا متكاملًا، عكس عمق دورها كمؤسسة حافظة للذاكرة الوطنية ورافد أساسي من روافد الوعي والمعرفة، وقد جاءت هذه الفعاليات لتؤكد أن الاحتفاء بالكتاب لم يعد مجرد مناسبة رمزية، بل تحول إلى مشروع متكامل يعيد الاعتبار لقيمة القراءة في زمن التحولات الرقمية المتسارعة.
في قلب هذه الاحتفالات، انطلقت فعاليات الملتقى العلمي الأول، الذي نظمته دار الكتب بالتعاون مع كلية دار العلوم جامعة القاهرة، بحضور نخبة من كبار الأكاديميين والمفكرين، وشكل الملتقى منصة حوارية رفيعة ناقشت قضايا متعددة تتصل بالتراث العربي، وتاريخ المخطوطات، وإشكاليات علم المصطلح، ودور اللغة في تشكيل الوعي، إلى جانب استعراض تجارب بحثية تسعى لربط الماضي بالحاضر.
وتنوعت أوراق العمل المقدمة خلال الجلسات، حيث تناولت مسارات تحقيق المخطوطات العربية، والجهود الاستشراقية والإسلامية في فهرستها، مع استحضار مشاريع علمية كبرى أسهمت في رسم خريطة التراث العربي في مكتبات العالم، كما ناقشت بعض الدراسات تأثير المصطلحات في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي، مؤكدة أن اللغة ليست أداة محايدة، بل قوة فاعلة في توجيه الإدراك وصناعة المعنى. وفي سياق متصل، استعرضت أوراق أخرى دور الصحافة المصرية، خاصة في منتصف القرن العشرين، في توثيق التحولات السياسية والاجتماعية، بما يعكس تداخل المعرفة التاريخية مع الإنتاج الإعلامي.
ولم يقتصر الملتقى على استعادة الماضي، بل اتجه أيضًا نحو استشراف المستقبل، حيث طُرحت رؤى استراتيجية لتطوير البحث العلمي حتى عام 2030، مع التأكيد على أهمية الدراسات البينية، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص، ورقمنة التراث، وبناء قواعد بيانات معرفية متخصصة، وقد عكست هذه الطروحات وعيًا متزايدًا بضرورة تحديث أدوات المعرفة، دون التفريط في الجذور الثقافية واللغوية.
وفي سياق موازٍ، افتتح الدكتور أسامة طلعت، رئيس الهيئة، معرض “مستنسخات المخطوطات”، الذي جاء كأحد أبرز محاور الاحتفال، حيث قدم المعرض بانوراما ثرية من النماذج التراثية التي تجسد تاريخ الكتابة قبل عصر الطباعة. وقد أتاح المعرض للزوار فرصة نادرة للتعرف على أشكال المخطوطات القديمة، والوقوف على تطور أدوات التدوين، من الرق والجلد إلى الورق، بما يعكس رحلة الإنسان في حفظ المعرفة ونقلها عبر العصور.
وشهد المعرض حضورًا أكاديميًا وثقافيًا واسعًا، ضم قيادات جامعية وباحثين ومتخصصين، وهو ما يعكس الأهمية العلمية للحدث، ويؤكد على الدور الحيوي الذي تضطلع به دار الكتب في ربط المؤسسات الأكاديمية بالمخزون الوثائقي للدولة، كما حرص القائمون على المعرض على تقديم شروح تحليلية لكل معروض، بما يتيح للزائر فهم السياق التاريخي والمعرفي لكل قطعة، وليس الاكتفاء بمشاهدتها كأثر جامد.
وامتدت مظاهر الاحتفال إلى الجمهور العام، حيث أعلنت دار الكتب عن تقديم خصومات تصل إلى 30% على جميع إصداراتها لمدة شهر كامل، في خطوة تهدف إلى تشجيع القراءة وتوسيع قاعدة المستفيدين من الإنتاج المعرفي، وشملت هذه الخصومات مئات العناوين في مجالات متنوعة، من تحقيق التراث العربي والإسلامي، إلى التاريخ المصري الحديث والمعاصر، مرورًا بالدراسات الوثائقية وأعمال كبار المفكرين.
وتحمل هذه المبادرة بعدًا ثقافيًا يتجاوز الجانب المادي، إذ تسعى إلى إعادة دمج الكتاب في الحياة اليومية للمواطن، وتأكيد أن المعرفة ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء مجتمع واعٍ قادر على مواجهة تحديات العصر، كما تعكس حرص المؤسسة على إتاحة تراثها العلمي بأسعار مناسبة، بما يضمن وصوله إلى فئات أوسع من القراء، خاصة الشباب والباحثين.
وفي كلمات المسؤولين خلال الفعاليات، برزت رؤية واضحة تؤكد أن الكتاب لا يزال يمثل “وعاء الذاكرة” وركيزة أساسية في تشكيل الهوية الحضارية، كما تم التأكيد على أن جذور المعرفة في مصر تمتد إلى آلاف السنين، منذ عصور البرديات والمعابد، وصولًا إلى العصر الحديث، وهو ما يمنح المؤسسات الثقافية المصرية مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على هذا الإرث وتطويره.
كما عكست الاحتفالات حالة من التكامل بين الماضي والحاضر، حيث التقت المخطوطات القديمة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتجاورت القضايا التراثية مع الرؤى المستقبلية، في مشهد يعكس طبيعة المرحلة الراهنة التي تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة.
في المجمل، قدّمت دار الكتب والوثائق القومية نموذجًا متكاملًا للاحتفاء بالكتاب، يجمع بين العمق العلمي، والانفتاح الجماهيري، والرؤية المستقبلية، فلم يكن الاحتفال مجرد استذكار لقيمة الكتاب، بل كان محاولة جادة لإعادة طرحه كأداة فاعلة في بناء الوعي، وصناعة المستقبل، وترسيخ الهوية الثقافية في عالم سريع التغير.















0 تعليق