يطل اسم الشيخ يونس القاضي كواحد من أعمدة الغناء المصري الذين طواهم النسيان، رغم أن صوته الإبداعي كان يوما حاضرا في وجدان كل بيت، من خلال حوار نشر في بمجلة المصور عام 1966.
وجاء بالموضوع: ربما لا يعرفه الجيل الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين، لكن قبل ثلاثة عقود، كان القاضي أحد أشهر مؤلفي الأغاني، تغنى بكلماته كبار المطربين، من سيد درويش إلى محمد عبد الوهاب، مرورا بمنيرة المهدية وأم كلثوم.
امتدت مسيرته منذ مطلع القرن العشرين، حيث نشرت أزجاله في كبرى المجلات منذ عام 1904 وحتى ما قبل الحرب العالمية الثانية، وقدم أعمالًا خالدة لا تزال تتردد حتى اليوم، مثل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، ورغم هذا التاريخ الحافل، يرقد القاضي في سنواته الأخيرة طريح الفراش، وقد أنهكه المرض وتقدم به العمر، بينما بقيت روحه خفيفة الظل، تستدعي الماضي وتعيش عليه.
وحين سئل عن عدد ما كتب من أزجال، أجاب ببساطة ممزوجة بالدهشة: “هل هذا في وسعي؟ يكفي أن أقول إن مجلة اللطائف المصورة كانت تنشر لي زجلًا أسبوعيا بانتظام من عام 1915 حتى 1942، هذا بخلاف مجلات أخرى مثل المسامير والسيف قبل عام 1910”.
لكن الذكريات الأشد بريقا كانت تلك التي جمعته بالفنان الكبير سيد درويش، يستعيد القاضي واحدة من أشهر المواقف، حين التقاه في أحد مقاهي الإسكندرية، فدعاه درويش إلى نزهة في سوق “الكانتو” بالمنشية وهناك، قام درويش برهن ساعته ونظارته ليستدين جنيها، فقط ليكرم ضيفه، ورغم أن القاضي كان يحمل معه 35 جنيهًا ذهبيًا، معتقدا أن الإسكندرية كباريس لا تكفيها عشرة جنيهات يوميا، فإن درويش أصر على دفع الحساب قائلا: “مش عيب يا شيخ يونس”.
في تلك الليلة، ولدت واحدة من أكثر اللحظات إبداعا في تاريخ الغناء، إذ كتب القاضي اثنتي عشرة أغنية لحنها درويش في الليلة نفسها، من بينها «ضيعت مستقبل حياتي» و«أنا هويت وانتهيت» و«بس ليه لوم العزول» و«أنا عشقت وشفت غيري كتير عشق».
وعندما يتحدث القاضي عن سيد درويش، تعود إليه حيوية الشباب، وتلمع عيناه ببريق خاص، لكن سرعان ما تخبو تلك اللمعة تحت وطأة المرض، فقد أصبح ملازمًا للفراش منذ عامين، بعد أن فقد ابنه الأكبر، وهي الصدمة التي زادت من معاناته وأثقلت كاهله.
ورغم كل ما فقده من صحة، وحركة، وأضواء بقيت مسؤولياته حاضرة، كما بقي حبه لمصر راسخا، وحين سئل عن عزائه في محنته، أجاب بنبرة رضا: “يكفيني أن مصر يحكمها أبناؤها، وأن المسرح الحكومي أصبح عشرة مسارح، وأن لدينا وزارة للثقافة، وإن كانت قد نسيتني، فأتمنى أن أكون آخر المنسيين… ويكفيني أن أسمع «زوروني كل سنة مرة» تغنى بأكثر من صوت”.


















0 تعليق