ذكرى صدور "المقطم".. حكاية صحيفة صنعت الجدل في زمن الاحتلال

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

شهدت القاهرة في 18 أبريل 1888 صدور العدد الأول من جريدة "المقطم"، في وقت كانت فيه مصر تعيش تحت وطأة الاحتلال البريطاني، لتصبح الجريدة منذ لحظة ميلادها واحدة من أكثر الإصدارات الصحفية إثارة للجدل في تاريخ الصحافة المصرية. 

فقد أثار حصولها على ترخيص من وزارة الداخلية بسهولة لافتة استغراب الرأي العام، خاصة في ظل العراقيل التي كانت تواجهها صحف أخرى في تلك الفترة، ما فتح باب التساؤلات حول طبيعة الدور الذي ستلعبه الجريدة في المشهد العام.

 

المقطم.. اسم يحمل دلالة الشموخ والاستمرار

اختيار اسم "المقطم" لم يكن عشوائيًا، بل حمل دلالة رمزية واضحة، فقد أوضح فارس نمر باشا، أحد مؤسسي الجريدة، في حديث له، أن الاسم استُلهم من جبل المقطم، الذي كان يعتقد أنه الجبل الذي استخرجت من حجارته الأهرامات، في إشارة إلى الثبات والرسوخ.

وأراد مؤسسو الجريدة، وهم فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكاريوس، أن يعكس الاسم طموحًا صحفيًا يسعى إلى البقاء والتأثير.

 

دعم بريطاني منحها قوة وانتشارًا

منذ بدايتها، ارتبطت "المقطم" بعلاقة وثيقة مع اللورد كرومر، المعتمد البريطاني في مصر، الذي قدم للجريدة دعمًا ماليًا وإخباريًا وإعلانيًا، ما منحها امتيازات واضحة في السبق الصحفي والانتشار. 

كما تميزت الجريدة بلغة صحفية سلسة وأسلوب مهني جعلها قريبة من القراء، سواء من العامة أو النخبة، وهو ما ساعدها على تثبيت حضورها سريعًا.

لكن هذا الدعم البريطاني لم يكن أمرًا عابرًا، بل تحول إلى أحد أبرز أسباب الجدل حول الجريدة، خاصة مع شعور قطاعات واسعة من الصحفيين والمثقفين بأن "المقطم" تحظى بمعاملة تفضيلية على حساب الصحافة الوطنية.

 

مواجهة مع الصحافة الوطنية والرأي العام

في مقابل الامتيازات التي حصلت عليها "المقطم"، كانت صحف وطنية مثل جريدة "المؤيد" تواجه تضييقًا واضحًا في الوصول إلى الأخبار الحكومية، وهو ما اعتبره كثيرون محاولة لإضعاف الصحافة المعارضة. 

ومع مرور الوقت، اتهمت "المقطم" بالانحياز للسياسات البريطانية، بل وبمهاجمة الخديوي ورفع شأن الأجانب في خطابها الصحفي.

هذا التوجه دفع الرأي العام المصري إلى اتخاذ موقف حاد تجاهها، إذ تعرضت الجريدة لانتقادات لاذعة وحملات صحفية مضادة، كما شهدت مقراتها احتجاجات شعبية وصلت في بعض الأحيان إلى قذفها بالحجارة، في مشهد يعكس حدة الاستقطاب السياسي والصحفي في تلك المرحلة.

 

بين البقاء والجدل.. صفحة مؤثرة في تاريخ الصحافة

ورغم موجات الغضب والرفض، واصلت "المقطم" الصدور لسنوات طويلة، مستفيدة من دعم السلطة القائمة، لكنها ظلت في الذاكرة المصرية نموذجًا لصحيفة صنعت حضورًا قويًا، وفي الوقت نفسه أثارت نقاشًا واسعًا حول علاقة الصحافة بالسلطة، وحدود الاستقلال المهني في أزمنة الاحتلال.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق