"هذا هو مفتاح الدور".. كيف كان يتقمص يوسف وهبي شخصيات أفلامه؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قدم الفنان يوسف وهبي تصورًا دقيقًا لفن التمثيل، مؤكدًا أن رسم الشخصية هو سر نجاح الممثل، وليس معنى ذلك أن يكتفي صاحب الدور بقراءة كلامه في الرواية ليبني عليه الشخصية التي رسمها المؤلف، بل إن هناك معاني بين السطور خفية وغير ظاهرة، لا يلتقطها إلا الممثل الفاحص، أكثر مما يقرؤها في أقوال الكاتب، وذلك في مقال نشرته مجلة المصور عام 1930.

ويضيف أن هناك حوارًا قد يدور بين الشخصية وشخصية أخرى داخل الرواية، وقد يفهمه الممثل على نحو أوضح مما يبدو في ظاهره، إذا امتلك القدرة على التحليل العميق، لذلك فإن واجب الممثل المدقق أن يقرأ الرواية كاملة مرة واثنتين وثلاثًا، حتى يدرك مرمى المؤلف بدقة، فيسير على ضوء الموضوع، ويحلل الشخصيات الأخرى المحيطة بالدور.

 

ويضرب مثالًا لتقريب الفكرة، موضحًا أن للأعصاب أو الأخلاق تأثيرًا مباشرًا على طريقة الإلقاء، فإذا كانت الشخصية هادئة جاء الإلقاء هادئًا، وإذا كانت حادة ظهر ذلك في الأداء، ويعتبر هذا هو “مفتاح الدور”، أي أول درجة لفهم الشخصية، ثم ينتقل الممثل إلى الدرجة الثانية، وهي “التلوين”، أي الانتقال بالعامل النفسي مع جمل الدور، بما يعكس طابع المؤلف في رسم شخصياته.

 

ومن هذا الجانب الانتقالي، يدخل إلى طريقة التعبير أو رسم الشخصية بالتعبير الوجهي، ويعود مرة أخرى إلى “السلم الأول”، لأن علم النفس يربط الصفات بالسلوك، فكما أن للطبيب ملامح، وللأحمق تصرفات، وللمرض أعراض، فإن لكل شخصية علامات يمكن قراءتها بصريًا وسلوكيًا.

 

ويؤكد أن العينين هما أهم أداة في التعبير، فهما أقوى وسيلة لإظهار طبيعة الشخصية، فالشخص الماكر له نظرة خاصة، والشخص الشريف تنعكس في عينيه صفاء خاص، مستشهدًا بشخصيات مثل “ياجو” و“عطيل” لتوضيح اختلاف التعبير البصري ودلالاته.

 

ويشير إلى أن الممثل الحديث لا ينبغي أن يكتفي بدراسة النص، بل يجب أن يدرس حياة الأشخاص الذين يجسدهم، خاصة في أدوار مثل التاجر والسياسي ورجل الأعمال ومضارب البورصة، لأن المؤلف يقدم صورة مقتضبة خالية من الروح، وعلى الممثل أن يبعث فيها الحياة عبر البحث والتعمق.

 

ويضرب مثالًا بدوره في رواية “الجبار”، حيث جسد شخصية رجل من أصحاب الملايين وملوك البورصة، لكنه في الأصل بدأ حياته عاملًا بسيطًا، وهذا ما يترك أثره على جسده وحركاته، ولو قدم الدور باعتباره ثريًا فقط دون هذا العمق، لخرج الدور ناقصًا ومشوهًا، بينما كان عليه أن يظهر عصامية الشخصية وبقايا ماضيها في حركات السوقة رغم مكانتها الجديدة.

 

ويضيف أن الصوت يتغير مع السن، وأن من أصعب جوانب التمثيل تصوير الضحك والبكاء، لأن ضحكة الشاب تختلف عن ضحكة الشيخ، وبكاء الشاب يعبر عن الغيظ، بينما بكاء الشيخ يعكس اليأس الكامل.

 

ويخلص إلى أن الممثل الحقيقي لا يدرس دوره فقط، بل يدرس الحياة كلها، ويتعمق في علم النفس، ويملك قوة ملاحظة وذاكرة تحفظ صور الشخصيات، ليستخدمها عند الحاجة، فالممثل المدقق أشبه بعالم نفس يقرأ الناس دون أن يشعروا، ويقلد حركاتهم وسلوكهم دون تدريب، ثم يصوغ كل ذلك في إطار فني متكامل، مع البعد عن المبالغة، والصقل المستمر، والاعتماد على الموهبة، مع التأكيد أن الممثل الذي يظن أنه يصلح لكل الأدوار يقترب من السقوط، لأن الكمال بعيد المنال.

أخبار ذات صلة

0 تعليق